أقلام حرة

2025: عام سقط فيه وهم النظام العالمي

 

كرونولوجيا جيوسياسية شهرًا بشهر في عالم يتجه نحو تعددية صدامية

«لم يعد العالم منقسمًا بين شرقٍ وغرب، بل بين من يملك أدوات التأثير ومن يُدفع لتحمّل الكلفة.»

سنة أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية

شهد عام 2025 تحوّلًا نوعيًا في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد الأزمات أحداثًا متفرقة، بل أجزاءً من مشهد عالمي واحد يتسم بتزايد الاستقطاب، وتآكل الثقة متعددة الأطراف، وصعود منطق القوة الاقتصادية والتكنولوجية كأداة صراع.

من الانتخابات المفصلية إلى الحروب المستمرة، ومن سباق الذكاء الاصطناعي إلى إعادة عسكرة الجغرافيا السياسية، يمكن قراءة 2025 كسنة انتقال من “الاضطراب” إلى “إعادة الاصطفاف”.

فيما يلي الكرونولوجيا الجيوسياسية العالمية لعام 2025 شهرًا بشهر، مع إبراز دلالاتها الاستراتيجية.

كرونولوجيا جيوسياسية عالمية لعام 2025

يناير: بداية العام على إيقاع إعادة التموضع

دخل العام بزخم سياسي لافت:

▪︎ انضمام بلغاريا ورومانيا الكامل إلى فضاء شنغن مثّل تعزيزًا للتماسك الأوروبي الداخلي، في مقابل عالم يتشظّى خارجيًا.

▪︎ إندونيسيا تصبح عضوًا كاملًا في مجموعة بريكس، في خطوة تعكس انتقال ثقل الجنوب العالمي من الهامش إلى قلب التوازنات.

▪︎ تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة (20 يناير) أعاد الخطاب الحمائي والضغط التجاري إلى واجهة النظام الدولي.

▪︎ في الخلفية، عكست قمة دافوس قلق النخب الاقتصادية من عالم أقل قابلية للتنبؤ وأكثر ميلاً للمواجهة.

الدلالة: بداية سنة تؤكد أن 2025 لن تكون سنة إدارة أزمات، بل سنة فرض خيارات.

فبراير: أوروبا بين الأمن والانتخابات

في هذا السياق،

▪︎ مؤتمر ميونيخ للأمن أعاد طرح سؤال الردع في ظل حرب أوكرانيا المستمرة.

▪︎ انتخابات مبكرة في ألمانيا كشفت هشاشة التوافق السياسي داخل القاطرة الأوروبية.

▪︎ إعلان واشنطن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كندا والمكسيك أعاد منطق الحرب التجارية كأداة سياسة خارجية.

الدلالة: أوروبا محاصَرة بين ضغوط أمنية خارجية وتحولات سياسية داخلية.

مارس: آسيا في قلب القرار العالمي

من جهة أخرى،

▪︎ انعقاد الدورتين البرلمانيتين الصينيتين (Two Sessions) ثبّت توجه بكين نحو الاكتفاء الاستراتيجي.

▪︎ حوار رايسينا في نيودلهي أكد صعود الهند كقوة توازن بين الشرق والغرب.

▪︎ قضايا المرأة وحقوقها عادت إلى الواجهة في نيويورك، لكن دون ترجمة سياسية حاسمة.

الدلالة: آسيا لم تعد ساحة تنافس فقط، بل مركز صياغة البدائل.

أبريل: الاقتصاد كسلاح جيوسياسي

لاحقًا،

▪︎ اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين عكست قلقًا من تسييس سلاسل الإمداد.

▪︎ الصين فرضت قيودًا على تصدير المعادن النادرة ردًا على الرسوم الأمريكية.

الدلالة: العولمة تدخل مرحلة “الانتقاء القسري”.

ماي: دبلوماسية متعددة السرعات

في موازاة ذلك،

▪︎ سلسلة انتخابات من أوروبا الشرقية إلى آسيا.

▪︎ قمة آسيان – الخليج – الصين جسّدت ولادة مسارات دبلوماسية خارج الأطر الغربية التقليدية.

▪︎ انتخاب البابا ليون الرابع عشر أضفى بعدًا رمزيًا على التحولات القيمية في عالم مضطرب.

الدلالة: تعددية دبلوماسية تتشكل خارج المركز التقليدي للقرار.

يونيو: التحالفات العسكرية تعود إلى الواجهة

علاوة على ذلك،

▪︎ قمة الناتو في لاهاي أكدت أن الردع عاد أولوية.

▪︎ قمة G7 في كندا عكست صعوبة توحيد المواقف داخل المعسكر الغربي.

الدلالة: التحالفات قائمة، لكن إجماعها يتآكل.

يوليوز: الذكاء الاصطناعي كجبهة صراع جديدة

في المرحلة التالية،

▪︎ قمم دولية حول حوكمة الذكاء الاصطناعي.

▪︎ مناورات عسكرية كبرى في المحيط الهادئ.

▪︎ توترات حدودية في جنوب شرق آسيا.

الدلالة: التكنولوجيا لم تعد أداة نمو فقط، بل ساحة تنافس استراتيجي.

غشت: هدوء ظاهري وتحضيرات خفية

في المقابل،

▪︎ انتخابات في أمريكا اللاتينية.

▪︎ تحركات دفاعية في الفضاء، مع اقتراب إطلاق أول محطة فضائية تجارية.

الدلالة: الفضاء يتحول إلى الامتداد الجديد للجغرافيا السياسية.

شتنبر: الأمم المتحدة في اختبار النفوذ

في هذا الإطار،

▪︎ افتتاح الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة وسط عالم أقل ثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف.

الدلالة: الشرعية الدولية تواجه أزمة تمثيل وفعالية.

أكتوبر: الشرق الأوسط والمواد الاستراتيجية

بالتوازي مع ذلك،

▪︎ محاولات وقف إطلاق نار في غزة.

▪︎ عودة الصين لتقييد صادرات استراتيجية.

الدلالة: الأزمات الإقليمية أصبحت مفاتيح صراع عالمي.

نونبر: المناخ والحروب المنسية

في خضم ذلك،

▪︎ COP30 في البرازيل تزامنت مع تصاعد الحرب في السودان.

▪︎ قمة G20 أظهرت الانقسام العميق بين الشمال والجنوب.

الدلالة: المناخ ضحية التنافس الجيوسياسي.

دجنبر: عالم بلا حسم

وأخيرًا،

▪︎ استمرار الحروب الكبرى دون أفق حل.

▪︎ مراجعات استراتيجية دفاعية في أوروبا.

الدلالة: نهاية سنة بلا تسويات… وبداية مرحلة أطول من اللايقين.

خلاصة استراتيجية

▪︎ 2025 لم تكن سنة انفجار، بل سنة ترسيخ الصدام البارد.

▪︎ عالم متعدد الأقطاب يتشكل، لكن دون قواعد مشتركة.

والسؤال الذي سيحكم ما بعدها ليس: من سينتصر؟

بل: من يستطيع الصمود أطول في نظام دولي بلا ضمانات؟

في ضوء هذه الكرونولوجيا، لا تبدو أحداث 2025 مجرد وقائع متجاورة، بل مسارًا واحدًا متصاعدًا، وهو ما تقف عنده قراءة هيئة التحرير.

رأي التحرير

مع إسدال الستار على عام 2025، يتضح أن العالم لم يعد يعيش مرحلة اضطراب عابر، بل دخل زمنًا جديدًا من اللايقين المنظّم. فالأحداث التي بدت متفرقة على امتداد السنة—من الانتخابات المصيرية، إلى الحروب الممتدة، إلى الصدامات التجارية والتكنولوجية—تكشف في جوهرها مسارًا واحدًا: تفكك القواعد التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، دون ولادة بديل متوافق عليه.

ما ميّز 2025 ليس فقط تصاعد الأزمات، بل عجز المجتمع الدولي عن تحويلها إلى فرص تسوية. فقد أصبحت القوة، بمختلف أشكالها، اللغة السائدة في إدارة العلاقات الدولية، بينما تراجع منطق القانون والتعددية إلى موقع الدفاع. في هذا السياق، لم تعد المؤسسات الدولية عاجزة فحسب، بل باتت تعكس موازين القوى أكثر مما تضبطها.

الدول الكبرى بدت منشغلة بإدارة تفوقها لا باستقرار العالم، في حين وجد الجنوب العالمي نفسه مرة أخرى ساحة اختبار لصراعات لا يصوغ شروطها. أما القوى المتوسطة، فباتت أمام خيارين أحلاهما مرّ: الاصطفاف القسري أو المناورة المكلفة.

إن الدرس الأعمق لعام 2025 هو أن العالم لا يتجه نحو نظام جديد بقدر ما يتكيف مع غياب النظام. ومن يقرأ هذه السنة كأرشيف أحداث فقط، يفوته جوهر التحول: الانتقال من عالم تحكمه القواعد إلى عالم تحكمه موازين القوة المؤقتة.

وبذلك، لا تُختزل أهمية 2025 في ما حدث خلالها، بل في ما دشّنته لما بعدها: مرحلة طويلة سيكون فيها الاستقرار استثناءً، والتوازن هشًا، واليقين سلعة نادرة في السياسة الدولية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار