كيف حوّل المغرب التنافس الأمريكي-الصيني إلى منصة صناعة عالمية
في زمن تتصادم فيه القوى الكبرى، لا تنتصر الجغرافيا وحدها، بل ينتصر من يحسن توظيفها. المغرب اليوم لا يكتفي بالموقع، بل يحوله إلى قوة صناعية عالمية.
المغرب في قلب التنافس الأمريكي-الصيني
في ظل تصاعد التنافس الاقتصادي بين واشنطن وبكين، يعيد المغرب تموضعه داخل سلاسل القيمة العالمية.
فهو لا يظهر فقط كجسر جغرافي بين إفريقيا وأوروبا، بل كمنصة صناعية استراتيجية آخذة في الصعود.
ومن هذا المنطلق، تتجه الاستثمارات الصينية بكثافة نحو المغرب.
والنتيجة هي تحوّل بنيوي عميق، وصفه خبراء الاقتصاد بـ “التسونامي الصناعي”.
أرقام الاستثمار: حين تتحدث الوقائع
أولًا، تشير المعطيات إلى أن الاستثمارات الصينية في التكنولوجيا الخضراء تجاوزت 18 مليار دولار.
وبذلك، يحتل المغرب المرتبة الثانية عالميًا بعد إندونيسيا في هذا المجال.
ثانيًا، يجسد مشروع بطاريات السيارات الكهربائية بالقنيطرة هذا التحول بوضوح.
فقد بلغ حجم الاستثمار 6.5 مليارات دولار، مع توقعات بخلق آلاف فرص العمل.
إضافة إلى ذلك، ضخت شركات صينية 230 مليون دولار في قطاع النسيج.
وقد وفر هذا المشروع وحده نحو 8,500 وظيفة مباشرة.
أما في قطاعات الإلكترونيات والمواد المتقدمة،
فقد بلغت الاستثمارات مئات ملايين الدولارات، مع تزايد مطّرد في عدد الشركات الصينية.
لماذا اختارت الصين المغرب؟
1- الموقع الجغرافي الذكي
يقع المغرب عند تقاطع ثلاث قارات.
كما لا تفصله عن أوروبا سوى 14 كيلومترًا عبر مضيق جبل طارق.
وهذا القرب يقلص التكاليف، ويختصر زمن التوريد.
2- بنية تحتية تخدم العولمة
من جهة أخرى، يشكل ميناء طنجة المتوسط ركيزة لوجستية عالمية.
وإلى جانبه، توفر المناطق الصناعية الحديثة منصات جاهزة للإنتاج والتصدير.
3- شبكة اتفاقيات واسعة
علاوة على ذلك، يرتبط المغرب باتفاقيات تجارة حرة مع أكثر من 50 دولة.
وهذا يمنح المنتجات المصنعة فيه نفاذًا ميسرًا للأسواق الأوروبية والأمريكية.
بين الاقتصاد والجيوسياسة: تموضع محسوب
في المقابل، لا ينخرط المغرب في الاستقطاب السياسي الحاد.
بل يعتمد سياسة توازن ذكية بين الصين والغرب.
فهو يستقطب رأس المال الصيني.
وفي الوقت نفسه، يحافظ على شراكاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وبذلك، يحوّل التوتر العالمي إلى فرصة وطنية محسوبة المخاطر.
الأثر الإنساني: ما وراء الأرقام
لكن الأهم، أن هذا التحول لا يبقى حبيس المؤشرات الاقتصادية.
بل ينعكس مباشرة على المجتمع.
إذ تُخلق آلاف الوظائف في صناعات مستقبلية.
كما يكتسب الشباب المغربي مهارات تقنية متقدمة.
وفوق ذلك، ينتقل المغرب من الاستهلاك إلى المشاركة في الإنتاج العالمي.
رأي التحرير
المغرب لا يراهن على ظرف دولي عابر،
بل يؤسس لمكانة صناعية دائمة داخل الاقتصاد العالمي.
ومن خلال استثمار ذكي للتنافس الأمريكي-الصيني،
ينجح في التحول من هامش الجغرافيا إلى قلب الصناعة العالمية.
إنه تحول هادئ في الشكل،
لكنه عميق في المضمون…
وقد يكون من أهم التحولات الاقتصادية في المنطقة خلال العقد القادم.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار