أقلام حرة

المغرب في قلب “حرب المعادن”: كيف تُلعب السياسة خلف ستار الاقتصاد؟

بينما تنشغل القوى الكبرى، أمريكا والصين، بالقتال المحموم على ثروات الأرض الأفريقية ومعادنها، هناك لاعب ذكي جداً، يعمل في صمت، يتقن توجيه دفة اللعب لصالحه: المغرب.
هذا الدور الذكي الذي يلعبه المغرب، والذي يبدو أنه يتقن بشكل مثير للاهتمام فن الحركة في المساحات الضيقة، جعلك قادرا كما سنرى لاحقا في تحويل اجندته إلى أوراق ضغط سياسية لا يمكن تجاوزها.
دعونا نبتعد عن الخطابات الدبلوماسية وننظر إلى الحقيقة كما هي؛ المغرب ليس مجرد “متفرج” أو “معبر” في هذه الحرب الجديدة، بل هو “لاعب وسط” بارع يستخدم كل أوراقه: جغرافيته، ثرواته، وقضيته الوطنية الأولى، ليفرض نفسه كشريك لا يمكن الاستغناء عنه.
“لوبيتو” في الجنوب… و”طنجة” في الشمال: عين المغرب لا تغفل!
المغرب اليوم لا يكتفي بمشاهدة ممرات مثل “لوبيتو” في الجنوب، بل يتحرك بمنطق “الامتداد الجيوسياسي”. فعندما يجهز موانئ عملاقة مثل طنجة المتوسط أو الداخلة الأطلسي، فإنه يرسل رسالة واضحة: أي تدفق للموارد من أعماق القارة نحو الأطلسي يجب أن يمر عبر بوابتنا.
على الورق، ممر “لوبيتو” يقع بعيداً في جنوب القارة. لكن هل تعتقد أن الرباط لا تراه؟ بالعكس تماماً! المغرب ينظر إلى هذه الممرات الأفريقية كـ”امتداد جيوسياسي” لمشاريعه الطموحة. فبينما تحاول أمريكا بناء سكة حديد لنقل معادن الكونغو إلى الأطلسي، يجهز المغرب موانئه العملاقة (مثل طنجة المتوسط، وقريباً الداخلة الأطلسي) لتكون هي الأخرى نقاط ارتكاز حاسمة لأي تدفقات مستقبلية للموارد. هنا، لا يقدم المغرب نفسه كمنافس، بل كشريك يمتلك الخبرة التقنية في التعدين عبر مؤسسات مثل OCP ومجموعة مناجم، ليفرض نفسه كحلقة وصل إجبارية في سلاسل التوريد العالمية وكشريك لا غنى عنه في تطوير صناعات الأسمدة والبطاريات في القارة بأسرها.
“الجسر الذهبي”: كيف يجمع المغرب الخصمين اللدودين؟
هنا تكمن عبقرية الدبلوماسية المغربية التي تثير الإعجاب (أو الحسد)؛ المغرب هو البلد الإفريقي الوحيد الذي يمتلك اتفاقية تجارة حرة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي نفس الوقت، هو شريك استراتيجي أساسي للصين في مبادرتها “الحزام والطريق”. فواشنطن ترى في المغرب “شريكاً موثوقاً” لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بها بعيداً عن الهيمنة الصينية المطلقة، خاصة في الكوبالت والفوسفات. كما أنها تريد مصدراً “غير صيني” لبطارياتها. اما الصين فهي تدرك أنها إذا صنعت منتجاتها في المغرب، عبر الشركات الصينية العملاقة مثل Gotion High-Tech التي تبني مصانع عملاقة للبطاريات في المغرب، فإنها ستدخل السوق الأمريكي الضخم دون رسوم جمركية بفضل اتفاقية التجارة الحرة. وهنا يتحول المغرب إلى “منطقة آمنة” يلتقي فيها الخصمان، ويستفيد هو من تكنولوجيا الصين واستثمارات أمريكا، ليصبح جسراً حقيقياً لا يمكن لأي طرف هدمه. هذا الوضع حوّل المغرب إلى “منطقة خضراء” تلتقي فيها مصالح الكبار، وهو وضع لا يمنحه المال فحسب، بل يمنحه حصانة سياسية نادرة.
الصحراء المغربية: ورقة المساومة الصامتة التي غيرت الموازين!
 
وهنا نصل إلى لب الموضوع: كيف وظف المغرب هذا الثقل الاقتصادي لخدمة قضيته الوطنية؟ هذا مربط الفرس، وهذا هو سر قوة المغرب الكامنة. عندما رأينا الصين تمتنع عن التصويت في مجلس الأمن ضد القرار الأخير الداعم للمغرب (ولم تستخدم الفيتو)، لم يكن ذلك مجرد “موقف ديبلوماسي باهت”. لا يا سيدي! إنها “مقايضة صامتة” لكنها قوية جداً. الصين، براغماتية حتى النخاع، تدرك أن مصالحها الاقتصادية الضخمة في المغرب، واستثماراتها المستقبلية في التكنولوجيا والطاقة المتجددة في الأقاليم الجنوبية، مرهونة باستقرار هذه المنطقة وسيادة المغرب عليها. أي زعزعة لوضع الصحراء يعني خسارة مليارات الدولارات لمشروعها “الحزام والطريق” في بوابة الأطلسي. أي عدم استقرار في هذه المنطقة يعني تهديداً مباشراً لمصالح بكين.
رسالة المغرب واضحة تماماً: “من يريد الوصول إلى معادن أفريقيا وتأمين سلاسل توريده، عليه أن يمر عبر بوابة المغرب المستقر والموحد، الذي يسيطر على كامل ترابه. لقد نجح المغرب في جعل ملف الصحراء جزءاً من معادلة “الأمن القومي” للقوى الكبرى، رابطاً اعترافهم بسيادته باستدامة إمداداتهم من المعادن والتكنولوجيا. هذه الرسالة فهمتها القوى العظمى، ولذلك نرى الصين وروسيا تمتنعان عن التصويت، بينما تندفع أمريكا ودول أوروبية كبرى للاعتراف الصريح بمغربية الصحراء.
اعتقد جازما ان المغرب “صانع قواعد” لا مجرد متابع، يدرك جيداً متى يفتح الباب ومتى يواربه. لقد نجح نجاحا مبهرا في جعل قضية الصحراء جزءاً لا يتجزأ من المعادلة الجيوسياسية للمعادن والذكاء الاصطناعي. فبينما يتصارع الكبار في الجنوب الأفريقي على حقول الكوبالت، يقف المغرب في الشمال كـ”مصفاة عالمية” ومركز تصنيع حيوي. هذا الوضع فرضه المغرب بذكاء، وبنى عليه مستقبله، ليصبح لاعب رئيسي في هذه الحرب الجديدة، وليس مجرد أرض تُشيد فوقها المشاريع وتُنهب منها الثروات.
وكخلاصة، استطاع المغرب -بينما يغرق الآخرون في صراعات إيديولوجية دونكشوطية- ان يثبت أن الدبلوماسية الذكية هي التي تجعل القوى العظمى تحتاج إليك بقدر ما تحتاج أنت إليها، ليصبح جسراً حقيقياً في عالم يزداد انقساماً.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار