قراءة بنيوية في التنافس الاستراتيجي الأمريكي–الصيني!
في نظري،امريكا تفوز وستفوز في هذا السباق مع الصين ليس لأنها مثالية، بل لأن الآخرين وعلى رأسهم الصين يواجهون أزمات أعمق. هذه الفكرة لا تصلح شعارًا وطنيًا ولا عبارة تحفيزية، لكنها تختصر منطق القوة في القرن الحادي والعشرين.الانتصار الجيوسياسي لا يكون دائمًا لمن هو الأفضل، بل لمن هو الأقل هشاشة أي الأقدر على امتصاص الصدمات الطويلة الأمد. حين أقرأ وثيقة الأمن القومي الأمريكية الأخيرة، لا أجد فيها نبرة انتصار أو ثقة مفرطة، بل شيئًا أقرب إلى البرود الحسابي. الوثيقة لا تعد بعالم أكثر عدالة، ولا حتى أكثر استقرارًا، بل بعالم يجب إدارته كما هو: عالم تنافس طويل، لا يُحسم بسرعة، ولا يُدار بمنطق اللحظة. والسؤال الضمني الذي تحمله ليس: من الأقوى الآن بل من يستطيع الصمود أطول. الولايات المتحدة لا تتجه نحو الهيمنة خلال العشرين أو الثلاثين عامًا القادمة كما الاعتقاد في واشنطن الآن،لأنها دولة بلا مشاكل، بل لأن منافسيها الرئيسيين وعلى رأسهم الصين يواجهون أزمات بنيوية وجودية يصعب تجاوزها في إطار زمني قصير. حيث يحضرني هنا قولة المؤرخ البريطاني بول كينيدي في كتابه الشهير The Rise and Fall of the Great Powers: «القوى العظمى لا تسقط بسبب ضربة واحدة، بل بسبب تراكم ضغوط داخلية تتجاوز قدرتها على التكيّف». وهنا يكمن جوهر المسألة.
الأمن أولًا: نصف الكرة الغربي كقاعدة استراتيجية!
في عالم معولم، لا يكفي امتلاك الموارد، بل الأهم هو القدرة على الوصول إليها وتأمين طرق إمدادها. هذه النقطة، أكثر من أي تفوق تكنولوجي، تمثل الميزة الأمريكية الأساسية. الولايات المتحدة تتمتع بما يمكن تسميته ملاذ نصف الكرة الغربي الأمن . تعكس الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي هذا الإدراك بوضوح. فهي تعيد الاعتبار لنصف الكرة الغربي بوصفه القاعدة الجغرافية الصلبة التي لا غنى عنها لأي تفوق عالمي مستدام. ففي عالم يتسم باضطراب سلاسل الإمداد، وتسييس التجارة، وعودة منطق القوة، تصبح الجغرافيا عنصرًا حاسمًا لا يمكن تعويضه بالتكنولوجيا وحدها. الولايات المتحدة تتمتع بوضع جغرافي نادر في التاريخ الحديث: دولتان جارتان (كندا والمكسيك)لا تمثلان تهديدًا وجوديًا مباشرًا، ومحيطان يفصلانها عن مراكز التوتر الكبرى. هذا “الملاذ القاري” يمنحها ميزة استراتيجية حاسمة، تتمثل في القدرة على بناء اقتصاد واسع وآمن نسبيًا، لا يحتاج إلى استنزاف دائم لحماية حدوده البرية أو شرايينه التجارية الحيوية. وكما يلاحظ روبرت كابلان، فإن الجغرافيا لا تحتم المصير، لكنها ترسم حدود الممكن سياسيًا واستراتيجيًا. في هذا السياق، يصبح تركيز واشنطن المتزايد على استقرار القارة الأمريكية – اقتصاديًا وأمنيًا – شرطًا مسبقًا لأي مواجهة طويلة الأمد مع قوى عظمى منافسة، وفي مقدمتها الصين.
الصين: اعتماد متبادل غير متكافئ!
من المسلّمات الشائعة أن الصدام الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين سيكون كارثيًا على الطرفين بالقدر نفسه. غير أن هذا الافتراض يغفل طبيعة عدم التماثل في الاعتماد المتبادل بين الاقتصادين. فالصين، رغم حجمها الهائل، لا تزال تعتمد بشكل جوهري على التصدير، وعلى انسياب التجارة العالمية، وعلى أسواق خارجية مفتوحة لاستيعاب فائض إنتاجها الصناعي أي عمليا اقتصاد مرهون بقيادة امريكا للعالم وضمان التجارة الدولية. في المقابل، يتمتع الاقتصاد الأمريكي بدرجة أعلى من الاكتفاء الذاتي، خاصة في مجالي الغذاء والطاقة، حيث تُعد الولايات المتحدة من كبار المنتجين والمصدّرين بينما تُعد الصين أكبر مستورد لهما في العالم. هذا الفارق يمنح واشنطن هامش مناورة أوسع في حالات الانكماش أو التصعيد. وكما أشار الاقتصادي ألبرت هيرشمان مبكرًا، فإن الاعتماد المتبادل نادرًا ما يكون متكافئًا، وغالبًا ما يتحول إلى أداة ضغط في يد الطرف الأقل اعتمادًا.
الصين وأزمتها التي لا يمكن تأجيلها: الديموغرافيا والجغرافيا!
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الصين ليس اقتصاديًا فحسب، بل ديموغرافيًا وبنيويًا. فسياسة الطفل الواحد، التي استمرت عقودًا، خلقت خللًا عميقًا في التركيبة السكانية. الصين اليوم تدخل مرحلة شيخوخة سريعة، مع تقلص حاد في الفئات العمرية القادرة على العمل والإنتاج. هذه ليست أزمة يمكن احتواؤها بحوافز مالية أو إصلاحات إدارية أو برنامج سياسي. فالتحولات الديموغرافية تعمل بمنطق زمني بطيء لكنه حتمي. وكما اقر الاقتصادي الديموغرافي نيكولاس إيبرشتات، ان” الشيخوخة السكانية هي أبطأ أنواع الكوارث، لكنها الأكثر يقينًا”. والأسوأ من ذلك، أن الشكوك المتزايدة حول دقة البيانات السكانية الصينية تثير احتمال أن يكون حجم المشكلة أكبر مما يُعلن رسميًا. في غياب قاعدة شبابية واسعة، تتآكل ركائز أي قوة كبرى: الاستهلاك الداخلي، الابتكار طويل الأمد، القاعدة الضريبية، وحتى القدرة على خوض صراعات ممتدة. إلى جانب الديموغرافيا، تواجه الصين قيودًا جغرافية وبنيوية يصعب تجاوزها. فشبكة الأنهار الداخلية لا توفر تكاملًا اقتصاديًا مشابهًا لما وفره نهر المسيسيبي للولايات المتحدة. كما أن موقع الصين البحري يضعها داخل طوق استراتيجي معروف بـ سلسلة الجزر الأولى( اليابان، تايوان، الفليبين)، ما يقيّد تحولها إلى قوة بحرية تجارية حرة الحركة. هذه القيود تعيد إلى الواجهة أطروحات ألفرد ماهان حول العلاقة بين السيطرة البحرية والتجارة والقوة. فبدون قدرة مستقلة على تأمين طرق الملاحة، تظل أي قوة صناعية عرضة للاختناق في أوقات الأزمات.
البحر… حيث تُختبر القوة الحقيقية!
أعتقد أن أحد أخطاء التحليل الشائعة هو التعامل مع القوة الصناعية الصينية وكأنها تكفي لبناء نفوذ عالمي. التاريخ، في رأيي، يقول شيئًا آخر. التجارة العالمية لا تتحرك في الفراغ، بل عبر بحار وممرات تُؤمَّن بالقوة. حين تعيد الولايات المتحدة تعريف دورها البحري، فهي لا تتخلى عن النظام العالمي، بل تُذكّر الجميع بأن هذا النظام لم يكن مجانيًا أبدًا. الصين استفادت من بحار مفتوحة لعقود، لكنها لم تختبر بعد ماذا يعني أن تكون مسؤولة عن حمايتها. بعد الحرب العالمية الثانية، وجدت الولايات المتحدة نفسها القوة البحرية الوحيدة القادرة على ضمان أمن الملاحة العالمية. لكنها لم تبنِ إمبراطورية استعمارية تقليدية، بل نظامًا قائمًا على صفقة بسيطة: حماية طرق التجارة الدولية، فتح سوق الأمريكية في وجه الجميع، في المقابل أنتم (يعني العالم اجمع) تلتزمون بنظام أمني لا يهدد الاستقرار العالمي. هذا النظام سمح لدول عديدة، من بينها الصين، ألمانيا واليابان ، بالنمو دون تحمّل أعباء تأمين النظام العالمي نفسه. اليوم، ومع تصاعد التنافس مع بكين، تعيد واشنطن النظر في هذه الصفقة، وتسأل: هل يمكن الحفاظ على النفوذ دون تحمّل كلفة الانفتاح غير المشروط؟ الاستراتيجية الجديدة توحي بأن الإجابة تميل نحو الانتقاء لا الشمول، ونحو تثبيت المجال الحيوي الأقرب قبل إدارة الصراع الأبعد.
الذكاء الاصطناعي وطوق نجاة للصين!
يُطرح الذكاء الاصطناعي أحيانًا بوصفه مخرجًا للصين من مأزقها الديموغرافي. لكن هذا وهم جزئي. الذكاء الاصطناعي حتى الآن يستهدف الوظائف الإدارية والتحليلية أكثر من الأعمال اليدوية. بينما النقص الحقيقي هو في العمالة الحرفية. غير أن هذا الرهان ايضاً يتجاهل حقيقة أن الأتمتة لا تعوّض غياب الطلب، ولا تحل مشكلة الشيخوخة، ولا تعالج القيود الجغرافية. فالروبوتات لا تستهلك، ولا تُنجب، ولا تدفع ضرائب ولا تخلق ديناميات اجتماعية مستدامة. وكما نبّه كينز، فإن جوهر الاقتصاد ليس الإنتاج وحده، بل الطلب.
وكخلاصة لكل هذا، رغم ان أمريكا ليست في أفضل حالاتها: استقطاب سياسي، ديون، وبنية تحتية متقادمة. لكن الفارق الجوهري هو أن مشاكلها قابلة للإدارة نظريًا، بينما مشاكل منافسيها خاصة الصين وجودية وبنيوية. الولايات المتحدة ستفوز بالسباق على المدى البعيد لأنها لا تزال تملك أكبر سوق استهلاكية في العالم وتتمتع بمرونة ديموغرافية أعلى نسبيًا كما أنها محمية بجغرافيا(مسالمة) نادرة في التاريخ. ستفوز لأنها آخر من ينهك في سباق ماراثون طويل، بينما يعاني الآخرون من تشنجات لا يمكن علاجها بسرعة. في عالم كعالمنا اليوم، تحكمه الهشاشة أي تكاثف الأزمات ، تكون الغلبة في النهاية لمن يستطيع الصمود أطول، لا لمن يبدو أقوى في لحظة عابرة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار