حين يقف المحامون على عتبة الدولة: معركة الاستقلال المهني ومعنى العدالة في المغرب
«معركة العدالة في المغرب: حين يتحول قانون المحاماة إلى اختبار لهيبة الدولة وثقة المواطنين»
حين يقف المحامون على عتبة الدولة: معركة الاستقلال المهني ومعنى العدالة في المغرب
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الدول لا تنفجر الأزمات دائماً في الشوارع. كثيراً ما تبدأ داخل قاعات المحاكم، ثم تتسلل إلى سطور القوانين. هذه القوانين تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في العمق تمس توازن السلطة وطمأنينة المجتمع. أحياناً تسقط الثقة قبل أن يسقط النص. من هذا المنطلق تبدو الندوة الصحفية التي تعتزم الجبهة الوطنية للدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة بالمغرب تنظيمها في الثالث من فبراير 2026 بالرباط حدثاً مهنياً في الشكل، واختباراً سياسياً وأخلاقياً في الجوهر يضع سؤال العدالة أمام الرأي العام مباشرة.
القضية لا تقتصر على خلاف حول مشروع قانون يحمل الرقم 66.23. المسألة في حقيقتها مواجهة بين تصورين لدور المحامي في الدولة الحديثة. الجهات الرسمية تقدّم المشروع كخطوة تنظيمية لتحديث المهنة. في المقابل يرى عدد واسع من المحامين والحقوقيين أنه يعيد رسم موازين القوة داخل منظومة العدالة. هذا التحول قد يدفع بالمحامي من موقع الفاعل المستقل في حماية الحقوق إلى موقع إداري محدود الحركة داخل آلية قضائية أكثر انضباطاً وأقل انفتاحاً على روح الدفاع.
من غضب مهني إلى جبهة مدنية
تشكّلت الجبهة الجديدة في مناخ مشحون. الاعتراض لم يعد بيانات متفرقة أو وقفات رمزية. بل تحوّل إلى إطار منظم يضم نقابات وهيئات مهنية وفعاليات حقوقية وأطرافاً سياسية ونقابية. هذا الاتساع لا يعكس حجم التوتر داخل الجسم المهني فقط، بل يكشف أيضاً إدراكاً متزايداً بأن النقاش تجاوز شروط الممارسة ووصل إلى سؤال أعمق: من يحرس العدالة عندما تصبح أدوات حراستها نفسها موضع جدل؟
تُظهر تجارب دولية كثيرة أن مهنة المحاماة شكّلت خط الدفاع الأخير عن التوازن بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد. لذلك لا يُنظر إلى أي تعديل يمس استقلالها كتحديث إداري بسيط. غالباً ما يُفهم الأمر كإشارة سياسية إلى طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والفضاء القضائي. من هنا تسعى الجبهة إلى تحويل الغضب المهني إلى قوة مدنية منظمة تؤثر في النقاش العمومي بشكل مستمر.
القانون 66.23: نص قانوني أم هندسة جديدة للعدالة؟
جوهر الخلاف واضح: هل ينظم المشروع المهنة فقط أم يعيد رسم حدودها داخل النظام القضائي؟ منتقدو النص يتحدثون عن “تغوّل تشريعي” قد يفتح باب وصاية مؤسساتية تحد من حرية الدفاع. في المقابل يؤكد مؤيدوه أنه يهدف إلى ضبط الممارسة ومواكبة تحولات المجتمع. بين هذين الموقفين يقف الرأي العام أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن تحديث مهنة حساسة دون المساس باستقلالها الذي يشكل شرطاً أساسياً للمحاكمة العادلة؟
الرهان لا يخص المحامين وحدهم. المسألة تمس ثقة المواطنين في العدالة نفسها. فالمحامي في الوعي الجماعي ليس مجرد ممثل قانوني، بل وسيط بين الفرد والدولة. صوته غالباً آخر ما يُسمع قبل صدور الحكم. لذلك ينعكس أي تغيير في موقعه مباشرة على الإحساس بالأمن القانوني.
ندوة الرباط: لحظة تشكيل رأي عام
الندوة المرتقبة ليست مؤتمراً مهنياً تقليدياً. هي محاولة واضحة لإخراج النقاش من الدوائر المغلقة إلى المجال العام. دعوة وسائل الإعلام الوطنية والدولية ليست تفصيلاً بروتوكولياً. إنها رسالة بأن المعركة قانونية وإعلامية في الوقت نفسه. في عصر الإعلام الفوري لا تُحسم القضايا الكبرى داخل البرلمان وحده، بل تُحسم أيضاً في طريقة عرضها للجمهور.
إذا نجحت الجبهة في تحويل هذا الموعد إلى منصة نقاش وطني حول معنى العدالة وحدود السلطة واستقلال الدفاع، فقد تؤسس لسابقة جديدة في تاريخ المهن الحرة بالمغرب. مهن تدافع عن مصالح أعضائها، لكنها تشارك أيضاً في صياغة تصور أوسع لدولة القانون.
ما بعد البلاغات
يُظهر التاريخ أن قوة الحركات المهنية لا تقاس بعدد بياناتها. المعيار الحقيقي هو قدرتها على الاستمرار وتحويل المطالب الفئوية إلى قضايا مجتمعية. بعد الندوة سيبقى سؤال جوهري مطروحاً: هل سينجح هذا الحراك في بناء جسور دائمة مع المجتمع أم سيبقى لحظة احتجاج عابرة؟
في النهاية لا تُختبر قوة العدالة في نصوص القوانين فقط. الاختبار الحقيقي يظهر في المسافة التي تفصل بين القاضي والمحامي والمواطن. كلما ضاقت هذه المسافة في إطار من التوازن والاستقلال، اقتربت الدولة من صورتها كضامن للحقوق لا كخصم فيها. ما يجري في الرباط ليس شأناً مهنياً ضيقاً، بل فصل جديد في نقاش قديم ومتجدد: من يملك مفاتيح العدالة، ومن يملك شجاعة الدفاع عنها؟
رأي هيئة التحرير
“حين يشعر حماة العدالة بأن عدالتهم مهددة، لا يكون الاحتجاج حدثاً مهنياً عابراً، بل إنذاراً مبكراً لمجتمعٍ بأكمله بأن ميزان الثقة في مؤسساته بدأ يميل.”
ترى هيئة التحرير أن الجدل حول مشروع قانون مهنة المحاماة في المغرب تجاوز الإطار التقني. النقاش اليوم يعكس طبيعة العلاقة بين السلطة والقانون والمجتمع. القوانين التي تمس مهن الدفاع يجب أن تنظّم الممارسة، لكنها مطالبة قبل ذلك بصون الاستقلال الذي يشكّل جوهر العدالة. بروز جبهة مهنية عريضة يكشف قلقاً عميقاً داخل الجسم القانوني، ويؤكد في الوقت نفسه انتقال القضية إلى فضاء الرأي العام. لحظة الرباط ليست موعداً صحفياً عادياً؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحديث قوانينها دون إضعاف الثقة في روح العدالة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار