العالم على حافة الانفجار: سباق تسلّح نووي جديد والصين تحدد مصير الردع العالمي
سباق تسلّح نووي جديد يلوح في الأفق… والصين على مفترق القرار العالمي
“الانتهاء الرسمي لمعاهدة نيو ستارت لا يعني فقط انحلال اتفاق قانوني — لكنه يمثل بداية حقبة جديدة من عدم اليقين النووي، قد تؤدي إلى سباق تسلح عالمي غير منظم.”
— جيمس أكتون، مدير مشارك لبرنامج سياسة النووي في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (في تحليل استباقي صدر قبل انتهاء المعاهدة).
في سياقٍ دوليٍّ متسارع التحوّل، ومع تزايد المؤشرات الاستراتيجية المتشابكة وتداخل العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، يبرز شبح سباق التسلّح النووي مجدداً في الأفق العالمي. هذا السباق ليس احتمالاً نظرياً بعيداً، بل مسارٌ يتشكل تدريجياً مع كل إعلان استراتيجي جديد وكل تصعيد محسوب في لغة القوى الكبرى. وفي هذا الإطار تحديداً، مثّل إعلان موسكو أنها «لم تعد ملزمة» بمعاهدة “نيو ستارت” مع الولايات المتحدة نقطة تحوّل مفصلية. الإعلان لا يمس اتفاقاً قانونياً فحسب، بل يفتح الباب عملياً أمام إعادة صياغة توازنات الردع النووي على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً.
معاهدة نيو ستارت: نهاية جسور ضبط الترسانات
ومن زاوية أخرى، كانت معاهدة “نيو ستارت” لسنوات طويلة تمثل أحد آخر الجسور المتبقية بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم لضبط الترسانات الاستراتيجية وتبادل المعلومات. كما وفرت المعاهدة بناء حدٍّ أدنى من الثقة المتبادلة. غير أن التآكل التدريجي في هذه الثقة، بالتوازي مع تصاعد النزاعات الجيوسياسية مثل حرب أوكرانيا، دفع هذا الجسر إلى حافة الانهيار.
وبناءً عليه، فإن تراجع الالتزام بهذه المعاهدة لا يُقرأ كخطوة تقنية أو إجرائية فحسب. بل يُفهم أيضاً كإشارة سياسية قوية إلى أن مرحلة “الضبط المتبادل” قد تفسح المجال لمرحلة “التحرر الاستراتيجي”، بما تحمله من احتمالات مفتوحة وغير محسوبة بالكامل.
الصين والتحولات في موازين القوى
وعلاوة على ذلك، لا يمكن عزل هذا التطور عن السياق الدولي الأوسع. الساحة العالمية تشهد تحولات عميقة في موازين القوى، مع صعود قوى جديدة وتراجع نسب التعاون عبر الاتفاقيات القديمة. وفي هذا السياق الجيوسياسي الراهن يبرز العامل الصيني بوصفه المتغير الأكثر حسماً وتأثيراً.
فالصين لم تحظَ بنفس القيود التي كانت تفرضها نيو ستارت على موسكو وواشنطن، ومع ذلك توسّعت ترسانتها النووية بوتيرة سريعة في السنوات الأخيرة، إذ تشير معطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن بكين تضيف ما يقرب من 100 رأسٍ نووي جديد سنوياً منذ 2023، وأن لديها على الأقل حوالي 600 رأس نووي في ترسانتها الحالية.
الصين تواجه خياراً استراتيجياً: إما مواصلة تحديث ترسانتها المحسوب، وإما الانخراط في معادلات الردع الثلاثي مع واشنطن وموسكو — خيار ذو أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية بعيدة المدى.
تحديات نظام عدم الانتشار النووي
ومن جهة أخرى، يفرض هذا الوضع أسئلة جوهرية حول مستقبل منظومة عدم الانتشار النووي برمتها. فحين تتراجع القوى الكبرى عن آليات الضبط والشفافية، تتلقى الدول المتوسطة والصاعدة رسالة ضمنية مفادها أن الضمانات الجماعية لم تعد صلبة كما كانت. وعطفاً على ما سبق، قد تسعى بعض الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية أو التكنولوجية بطرق تقترب تدريجياً من العتبة النووية دون إعلان صريح. هذا الواقع ينقل العالم من “توازن الرعب المنظم” إلى ما يمكن تسميته بـ“فوضى الردع غير المحسوبة”. مرحلة أكثر هشاشة وتعقيداً في آنٍ واحد.
البعد التكنولوجي والاقتصادي للتسلح الحديث
إضافة إلى ما سبق، يلعب البعد الاقتصادي والتكنولوجي دوراً متزايد الأهمية في هذا السباق المحتمل. التسلح النووي الحديث لم يعد يقتصر على عدد الرؤوس الحربية أو منصات الإطلاق فقط. بل يشمل أنظمة الصواريخ الفرط صوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، وتقنيات الفضاء، وأنظمة الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات. هذا التقاطع بين القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي يمنح بعض الدول أفضلية نوعية حتى وإن لم تكن تمتلك أكبر عدد من الرؤوس النووية.
الإحصائيات الأساسية الموثَّقة
1. الحيازات النووية الكبرى (2025–2026)
- الولايات المتحدة: ~5,550 رأس نووي إجمالاً.
- روسيا: ~5,459 رأس نووي إجمالاً.
- الصين: ~600 رأس نووي (تنمو بسرعة).
(تقديرات معهد CACNP وSIPRI)
2. حدود معاهدة نيو ستارت قبل انتهاء سريانها
- سقف 1,550 رأساً حربياً إستراتيجياً لكل من روسيا والولايات المتحدة.
- آليات تفتيش تضمنت تبادل بيانات سنوية.
3. نسبة الأسلحة النووية في الترسانات العالمية
- تمتلك الولايات المتحدة وروسيا أكثر من 80% من جميع الأسلحة النووية في العالم.
استشراف السيناريوهات المستقبلية
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تبرز سيناريوهات استباقية متعددة. أولها احتمال عودة سباق تسلح ثنائي بين الولايات المتحدة وروسيا دون قيود واضحة، وثانيها انتقال هذا السباق إلى صيغة ثلاثية في حال واصلت الصين توسيع قدراتها النووية بوتيرة متسارعة، وثالثها بروز سباق تكنولوجي موازٍ يركز على أنظمة الدفاع والهجوم غير النووية ذات التأثير الاستراتيجي الكبير.
فرص الحوار والدبلوماسية
وفي المقابل الاستراتيجي، لا يعني هذا السيناريو حتمية الانزلاق نحو مواجهة شاملة. فالكلفة الاقتصادية والسياسية لسباق تسلح مفتوح تدركها جميع الأطراف الكبرى. كما أن قنوات الحوار الدبلوماسي — وإن بدت أضعف من السابق — لا تزال قائمة. بناءً عليه، قد نشهد في المدى المتوسط محاولات لإعادة بناء أطر تفاوض جديدة تشمل قوى كبرى متعددة.
رأي فريق التحرير
ومن منظور تحريري يستند إلى قراءة تراكمية للوقائع والمؤشرات، فإن دخول العالم في مرحلة ما بعد ضبط التسلح النووي لا يمثل مجرد نهاية معاهدة. بل يشكل اختباراً حقيقياً لصلابة النظام الدولي وقدرته على إدارة التنافس دون الانزلاق إلى الفوضى. المسألة لم تعد تتعلق بعدد الرؤوس النووية بقدر ما تتعلق بمدى القدرة على منع سوء الحسابات وسوء التقدير.
مفترق الطرق الاستراتيجي
وفي المحصلة النهائية، وبعيداً عن المبالغة أو التهويل، يقف العالم أمام لحظة مفصلية تتطلب قدراً أعلى من الحكمة السياسية بقدر ما تتطلب يقظة استراتيجية مستمرة. وبين خيار إعادة إنتاج منطق الحرب الباردة بأدوات أكثر تطوراً وخطورة، وخيار ابتكار نماذج توازن جديدة تقوم على الردع المنضبط والتعاون الحذر، يظل الدور الصيني عاملاً مرجحاً. ليس فقط بحجم ترسانته، بل بقراراته السياسية ورؤيته بعيدة المدى.
المصادر
- إعلان موسكو أنها «لم تعد ملزمة» بمعاهدة نيو ستارت، بيان وزارة الخارجية الروسية.
- تحليل انهيار معاهدات ضبط السلاح وتأثيره على الأمن العالمي.
- بيانات توسيع الترسانة النووية الصينية وفق SIPRI.
- تقديرات CACNP لإجمالي الرؤوس النووية في الولايات المتحدة وروسيا.
- تفاصيل قيود نيو ستارت ونهاية سريانها.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار