خريف الأكاذيب: ماذا بعد انهيار النيوليبرالية؟
في عام 1978، وقبل أن يصبح رئيساً، كتب المعارض التشيكي فاتلاف هافيل مقالاً زلزل الأركان بعنوان “قوة من لا قوة لهم”. طرح فيه سؤالاً جوهرياً: كيف يصمد النظام الشمولي رغم زيفه؟ وأجاب بقصة “بائع الخضار” الذي يضع كل صباح لافتة “يا عمال العالم اتحدوا” في نافذته. الرجل لا يؤمن بالشعار، لكنه يضعه ليتجنب المشاكل، ليقول للنظام: “أنا ممتثل”. هذا ما سماه هافيل “العيش داخل كذبة”؛ حيث لا يستمد النظام قوته من الحقيقة، بل من “تمثيلية” يشارك فيها الجميع خوفاً أو طمعاً. لكن هافيل حذر من أن نقطة ضعف هذا النظام هي نفسها مصدر قوته؛ فبمجرد أن يقرر شخص واحد، بائع خضار واحد، أن يزيل اللافتة ويرفض التمثيل، يبدأ الوهم كله بالتصدع. اليوم، يبدو أننا وصلنا إلى هذه اللحظة عالمياً. في منتدى “دافوس”، خرج خرج رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بخطاب لم يكن مجرد تحليل اقتصادي، بل اعترافاً بانتهاء “المسرحية”. اعترف بأننا وضعنا لافتة “النظام الدولي القائم على القواعد” في نوافذنا لعقود، رغم علمنا أن الأقوى يستثني نفسه دائماً. لقد قبلنا “العيش داخل الكذبة” لأن الهيمنة الأمريكية كانت توفر المنافع، وتفتح الممرات البحرية، فقبلنا “العيش داخل الكذبة” لأن الخيال كان مفيداً. لكن اليوم، يضيف كارني، نحن في “قطيعة” كبرى مع الماضي، ولست مجرد مرحلة انتقالية.
النيوليبرالية: من “وهم السوق” إلى “الإقطاع الجديد”
هذا الزيف الذي كشفه كارني ليس مجرد خلل سياسي، بل هو النتيجة المنطقية لـ “النيوليبرالية” التي سادت لـ 50 عاماً، واعداة بالحرية عبر السوق، لينتهي بنا المطاف في عالم يعيش فيه البشر تحت وطأة “إقطاع جديد”. وهنا نجد صدى لأفكار الفيلسوف السياسي الأمريكي شيلدون ولين في كتابه “الديمقراطية المتجسدة”، حيث يصف هذه الحالة بـ “الشمولية المعكوسة”. يرى ولين أن النظام الحالي لا يحتاج إلى ديكتاتور بزي عسكري، أو دبابات في الشوارع، بل يستخدم القوة الناعمة للاقتصاد والشركات العابرة للقارات للسيطرة على مفاصل الحياة، محولاً المواطنين من فاعلين سياسيين إلى مجرد “مستهلكين” مسلوبي الإرادة. في هذا النموذج، تتقلص الديمقراطية لتصبح مجرد إجراء شكلي، بينما تظل القرارات الحقيقية حبيسة غرف مجالس إدارات الشركات الكبرى. لقد قامت النيوليبرالية على أفكار فريدريك هاييك وميلتون فريدمان. هاييك كان يرى في الحكومة عدواً حتمياً للحرية، وفريدمان اعتقد أن السوق هو أصدق تعبير عن الإرادة البشرية. لكن الفجوة القاتلة في فكر فريدمان كانت تجاهله لعدم المساواة البنيوية. فالأسواق تمنح القوة لأصحاب الثروة، والثروة أصلاً موزعة بظلم. وكما يقول عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز رايت ميلز في تحليله لـ “نخبة القوة”، فإن القرار في هذه النظم ينحصر في يد مثلث (الشركات، العسكر، والسياسيين)، مما يجعل “الحرية المطلقة” التي روج لها ميلتون فريدمان مجرد “غطاء أيديولوجي” لذر الرماد في العيون، وتمرير سياسات تخدم تكديس الثروة في يد الـ 1% على حساب البقية.
هذه المنظومة لم تكتفِ بتكديس المال، بل خلقت “غطاءً أخلاقياً للانانية”. حولت التضامن المجتمعي إلى ضعف، وجعلت الثروة دليلاً على الجدارة والفقر صكاً للفشل. وهنا تبرز “الملاذات الضريبية” ليس كممارسة للسوق الحر، بل كسلاح فتاك ضد الديمقراطية، يكافئ الجشع ويقتل فكرة المواطنة.
سيادة “الدائن”: حين يصبح الاستعباد تقنياً!
وهنا نصل إلى جوهر المأزق المعاصر الذي يمس حياتنا اليومية. لقد انتقلنا مما كان يسميه جيل دولوز “مجتمعات السيادة” إلى “مجتمعات المراقبة والدين”. نحن نعيش ما وصفه دولوز بـ “الإنسان المدين”؛ ذلك الكائن الذي لم يعد يُسجن خلف القضبان الفيزيائية، بل يُسجن خلف أقساط شهرية، قروض سكنية، واشتراكات لا تنتهي. الدين هنا ليس مجرد التزام مالي، بل هو “تقنية حكم” تجعل الفرد في حالة استنفار دائم وقلق وجودي يمنعه من التفكير في التغيير السياسي. لقد برز وجه “الإقطاع التقني” القبيح؛ فالشركات الكبرى (Big Tech) لم تعد تبيعنا منتجات، بل أصبحت “تؤجرنا” حق العيش داخل منظوماتها ،انتقلت من مرحلة بيع المنتجات إلى مرحلة “جمع الأتاوات”. عندما تفرض عليك شركة برمجيات أو مصنع سيارات اشتراكاً شهرياً لتفعيل ميزة موجودة أصلاً في سيارتك مثلا،هي ملكك أصلاً، فإنها تعيد إحياء نظام “السخرة” الإقطاعي بزي رقمي “لطيف”. وكما يقول الفيلسوف بيونغ تشول هان: “لقد انتهى عصر الاستغلال الخارجي (السياط والقيود)، ودخلنا عصر الاستغلال الذاتي التطوعي”. نحن من نشتري الجهاز، ونحن من يمول سجاننا الرقمي بكل رضى، محولين حياتنا إلى سلسلة من “الديون الرقمية” التي لا تُسدد أبداً.
“ابتكار النهب” وانفصال النخب!
تاريخياً، كانت الثورات التقنية (البخار، الكهرباء) تضيف قيمة مادية حقيقية وملموسة للبشر، أما النيوليبرالية، كما يرى الاقتصادي الأمريكي روبرت رايش، فقد ركزت على “الابتكار في النهب” وليس الإنتاج . الشركات تحولت من “شريك مجتمعي” يساهم في بناء البنية التحتية، إلى “جابي إيجارات” (Rent-Seeker) يمتص دماء الناس عبر الرسوم والوسطاء والديون. لقد صار الهاتف المحمول الذي يُعد فخر هذا العصر، مجرد جهاز صراف آلي متنقل يربطنا بسلاسل غير مرئية من الالتزامات المالية تجاه نخب لا نراها.هذا الانفصال هو ما وصفه كريستوفر لاش بـ “ثورة النخب”؛ حيث انفصلت النخبة الاقتصادية في دافوس تماماً عن هموم ومصائر المجتمعات المحلية. لقد أصبحوا، بتعبير زيجمونت باومان، “نخبة سائلة” (Liquid Elite) لا تنتمي لمكان ولا تشعر بمسؤولية تجاه أي جغرافيا. هم يجنون الأرباح من بلدان لا يزورونها، محصنين داخل “منتجعات سيادية” معزولة، تاركين “المقيمين” خلفهم يواجهون تبعات انهيار الدولة الاجتماعية وتدهور التعليم والصحة. ان النيوليبرالية تموت اليوم بفعل سمومها الخاصة، وأهمها هذا التفاوت الصارخ الذي لم يعد محتملاً. نحن نعيش ما وصفه الراحل مارك فيشر بـ “الواقعية الرأسمالية”؛ ذلك الجمود الذهني الذي يجعلنا نعتقد أنه “من الأسهل تخيل نهاية العالم على تخيل نهاية الرأسمالية”. لكن الستار قد أسدل، وما نراه من صعود للشخصيات “الوحشية” ليس إلا “عرضاً جانبياً” لانهيار المركز.
وكخاتمة، يبقى السؤال الأهم والمرعب في نظري: ماذا بعد سقوط القناع؟ المفكر ريتشارد مورفي يضعنا أمام خيارين: إما العودة لسياسة “رعاية الناس” (إعادة الاعتبار للمشترك الإنساني والدولة الاجتماعية)، أو السقوط النهائي في قبضة “المال والقوة” الصرفة. لقد وضعت النيوليبرالية على عاتق الإنسان العادي مسؤولية “إصلاح العالم” عبر سلوكه الاستهلاكي وحده، بينما هو في الحقيقة مجرد ترس في ماكينة ضخمة مصممة لضخ المال في اتجاه واحد: الأعلى. لقد حان الوقت لنتوقف عن التمثيل. بائع الخضار اليوم في عالمنا “المتحضر” لم يعد يضع لافتة “يا عمال العالم اتحدوا” خوفاً من الحزب، بل يضع لافتات “الامتثال الرقمي” ليتمكن من سداد ديون الماكينة والاشتراك والضرائب التي تُفرض عليه وحده بينما النخبة تفرّ بمالها إلى الملاذات. لقد أزيل القناع، والآن على العالم أن يختار: إما استعادة إنسانيته عبر عقد اجتماعي جديد يقدس “المواطنة”، أو الغرق في فوضى “الإقطاع التقني” حيث نصبح جميعاً مجرد “بيانات” مديونة في سجلات أباطرة الجشع.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار