الحقيقة التاريخية وحدود البروباغندا: عندما تتحول الجزائر من فاعل إقليمي إلى مصدر توتر!
تثير بعض التحركات والتصريحات الصادرة عن الجزائر، سواء على المستوى الميداني أو الخطابي، تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية الكامنة وراء هذا السلوك، خصوصًا في سياق إقليمي يتسم بتحولات عميقة في موازين القوة الدبلوماسية والسياسية. ما يحدث اليوم ليس سوء تقدير عابر، بل نمط متكرر لدولة فقدت القدرة على المبادرة السياسية، فاختارت التعويض بالتصعيد. وما إطلاق عيارات نارية قرب منطقة قصر إيش يوم 9 فبراير 2026،، والعودة المفاجئة إلى استحضار وقائع حرب الرمال، لا يمكن تبريره بأي منطق سيادي أو أمني، بل يندرج ضمن سلوك استعراضي خطير، يعكس فراغًا استراتيجيًا أكثر مما يعكس قوة ردع.
هذا السلوك لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مباشرة مع اجتماع مدريد يوم الأحد 8 فبراير 2026، في لحظة كانت فيها الأنظار الدولية موجهة نحو إعادة ترتيب المقاربات المتعلقة بقضايا شمال إفريقيا، وعلى رأسها الصحراء المغربية. في مثل هذه اللحظات، تختبر الدول وزنها الحقيقي: إما بالحضور الدبلوماسي الفعال، أو باللجوء إلى الاستفزاز. والجزائر، مرة أخرى، اختارت الخيار الخاطئ.
إن العودة الممنهجة إلى استحضار حرب الرمال لسنة 1963 عبر تصريحات الرئيس الجزائري الأخيرة حول “الدعم المصري” خلال حرب 1963 ، ليست مجرد حنين تاريخي، بل محاولة يائسة لإعادة شرعنة خطاب رسمي فقد مصداقيته وإعادة إنتاج سردية تاريخية تخدم الحاضر السياسي. غير أن هذا الاستدعاء يكشف، دون قصد، حقيقة لطالما حاولت البروباغندا الجزائرية دفنها: أن الجزائر لم تواجه المغرب يومًا من موقع استقلال القرار، بل من موقع التبعية لتحالفات خارجية سخّرت الصراع لخدمة أجنداتها الإيديولوجية. فالمغرب، تاريخيًا، لم يواجه “جيشًا شقيقًا” فقط، بل واجه منظومة دعم أيديولوجي وعسكري عابر للحدود: دعمًا عسكريًا مصريًا مباشرًا( دعم جوي)، وخبرات سوفياتية، ومشاركة قوات كوبية في الميدان. ورغم ذلك، فرض توازنًا عسكريًا واضحًا، وأسر ضباط مصريين ( منهم الرئيس المصري السابق حسني مبارك) في مواقع معروفة مثل حاسي بيضا، في وقائع موثقة لا يمكن شطبها بالخطابة. هذه ليست رواية دعائية، بل حقائق تاريخية ثابتة. هذا التوازن الذي فرضه المغرب على الأرض، لم يكن حدثًا رمزيًا، بل دليلًا ملموسًا على اختلال موازين القوى الذي تم تجاوزه بفضل التنظيم والانضباط والخبرة القتالية للقوات المسلحة الملكية.
من هنا، يصبح واضحًا أن الدولة التي بُنيت عقيدتها السياسية على الاستقواء بالخارج، لا يمكنها الادعاء بالسيادة الكاملة أو القيادة الإقليمية. فالجزائر، منذ الاستقلال، لم تستثمر في بناء نموذج تنموي جامع أو مشروع تكاملي إقليمي ، بل اختارت منطق الصراع الدائم كآلية لتثبيت شرعية داخلية هشة.
اليوم، يتكرر المشهد نفسه في ملف الصحراء المغربية. فبينما يمضي المغرب بخطى ثابتة نحو تثبيت سيادته عبر التنمية، والاستثمار، والحلول السياسية الواقعية التي تحظى بدعم دولي متزايد، تصر الجزائر على لعب دور الطرف المعطل، متمسكة بخطاب الحرب الباردة، ومُحوِّلة النزاع إلى أداة لتنفيس أزماتها الداخلية وإدارة التوازنات الداخلية (صراع الأجنحة) أكثر من كونها نزاعًا إقليميًا قابلًا للحل. الحقيقة المزعجة للجزائر هي أن الصراع لم يعد يدور حول “تقرير المصير” كما يُسوَّق رسميًا، بل حول فقدان الدور. فكلما توسع الاعتراف الدولي بالمبادرة المغربية، ضاق هامش المناورة أمام خطاب قائم على الرفض فقط، دون بديل واقعي أو مقترح قابل للحياة.
نحن إذن أمام صراع بين نموذجين لا يلتقيان: نموذج دولة ذات امتداد تاريخي واضح، تعتبر الصحراء جزءًا لا يتجزأ من سيادتها الوطنية، وتدير الملف وتتحرك بمنطق المؤسسات، وتراكم الإنجازات، وتستثمر في الاستقرار والشراكات. ونموذج آخر لدولة ما زالت أسيرة حدود رسمها الاستعمار، تعيش على إنتاج الأزمات، وتبحث عن شرعية سياسية عبر خلق خصم دائم لتبرير الفشل والإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، دولة تستدعي معارك الماضي لتغطية انسداد الحاضر.
من هنا، يمكن فهم الاستفزازات المحدودة على الحدود باعتبارها محاولات لملء فراغ استراتيجي، لا مؤشرات على استعداد فعلي لمواجهة شاملة. فتكلفة أي مغامرة عسكرية اليوم، في ظل التوازنات الدولية الراهنة، ستكون باهظة، ولن تخدم سوى تعميق عزلة المنطقة وإضاعة فرص التعاون المغاربي. ان هذا التصعيد الخطابي والاستفزاز الميداني يعتبر سلوكًا متوقعًا لدولة تخشى الاعتراف بتحول ميزان القوى ضدها. غير أن هذا السلوك، بدل أن يربك الخصوم، يسرّع عزلتها، ويضعها في موقع الدولة المهدِّدة للاستقرار الإقليمي.
ان المغرب، كخلاصة في نظري، لا يحتاج إلى رفع صوته أو افتعال أزمات لإثبات حقه في صحرائه، لأن هذا الحق يستند إلى التاريخ، والشرعية، والواقع. أما من يراهن على البروباغندا والتصعيد وإعادة تدوير سرديات مهزومة، فسيكتشف أن الضجيج لا يصنع نفوذًا، وأن الحقيقة والواقع التاريخي، مهما تأخر ظهوره، يظل أقوى من أي خطاب عدائي مؤقت.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار