الحكم الذاتي للصحراء المغربية: رؤية سياسية واستراتيجية
لطالما شكّلت قضية الصحراء المغربية أحد أكثر النزاعات السياسية تعقيدًا في شمال إفريقيا منذ منتصف السبعينات. ومع استمرار الجدل حول مستقبل الأقاليم الجنوبية، ظهرت مبادرة الحكم
الذاتي كخيار سياسي يستهدف تحقيق حل واقعي للنزاع ضمن إطار السيادة المغربية، مع منح السكان المحليين صلاحيات واسعة في تدبير شؤونهم.
جوهر المبادرة
تقوم هذه المبادرة على فكرة أن حلّ النزاع لا يأتي من قرار انفصالي أو تقسيمي، بل من تسوية سياسية تفاوضية توازن بين احترام سيادة الدولة المغربية وضرورة إتاحة دور فعال للسكان
المحليين في إدارة شؤونهم. المقترح المغربي ينطلق من أن الحكم الذاتي يعني قيام هياكل تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية تمكّن السكان من اتخاذ قرارات تنموية داخليًا، بينما تبقى
صلاحيات السيادة الكبرى بيد الدولة.
بهذا المعنى، فإن الحكم الذاتي لا يقتصر على مجرد إدارة محلية، بل يرتبط بتكوين مؤسسات منتخَبة تتمتع بقدرات تشريعية وتنفيذية، إلى جانب إدارة الشرطة والمحاكم المحلية، في إطار
متناسق مع الدستور المغربي ومعايير الحكم الديمقراطي.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
أثبتت المبادرة المغربية أنها لا تظل قرارًا داخليًا فقط، بل صارت موضوع تحرك دبلوماسي واسع على المستوى الدولي. ففي السنوات الأخيرة، كثّف المغرب جهوده لتوسيع الدعم الخارجي
للحكم الذاتي، إذ حظي المقترح بتأييد عدد من الدول الغربية واعتباره أساسًا لحل النزاع، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، إلى جانب تصريحات دعم مماثلة من دول أوروبية أخرى.
وفي خطوة دبلوماسية مهمة، تبنّى مجلس الأمن الدولي قرارًا في أكتوبر 2025 يدعم المبادرة المغربية كإطار تفاوضي لحل النزاع، ما يمثل تحولًا دبلوماسيًا مهمًا في التعاطي الدولي مع القضية
بعد عقود من الجمود. هذا القرار لم يشمل خيار الاستفتاء على الاستقلال، الذي ظل يطرحه خصوم المغرب، لكنه وضع المبادرة المغربية في قلب العملية السياسية الأممية.
كذلك يسعى المغرب إلى أن يكون الحكم الذاتي ليس فقط طرحًا سياسيًا، بل مشروعًا تنمويًا شاملًا» يرتبط ببناء مؤسسات قوية وتحسين مستوى الخدمات في الأقاليم الجنوبية وتعزيز
اندماجها في الاقتصاد الوطني.
لماذا يعتبر هذا الخيار مهمًا؟
تكمن قوة هذا المقترح في كونه يسعى إلى خلق حل وسط عملي يقرّ به المجتمع الدولي كأساس للتفاوض، ويؤدي إلى تقليل التوترات على الأرض، ويعزّز فرص التنمية والاستقرار.
بخلاف الحلول الأخرى التي تدور حول خيار الاستقلال الكامل أو استمرار الجمود، يضع الحكم الذاتي إدارة محلية ديمقراطية في إطار سيادة الدولة، ما يجعله أكثر قابلية للتطبيق مقارنة بالبدائل.
على الصعيد المحلي، يساهم هذا الخيار أيضًا في إشراك السكان المحليين في الحياة السياسية والاقتصادية، مما يساعد على تعزيز الانتماء الوطني وتقليل المخاوف المرتبطة بالهوية
والتمثيل. وفي نفس الوقت، يعطي فرصة لتطوير بنى تحتية وخدمات أفضل عبر تمويل مشاريع تنموية محلية.
يمكن اعتبار مبادرة الحكم الذاتي المغربية استجابة سياسية واقعية لحل قضية الصحراء، تجمع بين احترام السيادة الوطنية وإتاحة مشاركة واسعة للسكان المحليين في إدارة شؤونهم.
الدعم الدولي المتزايد لهذه المبادرة، سواء من الدول أو عبر قرارات مؤسسات دولية كالأمم المتحدة، يعكس كونها لا تزال في قلب السعي نحو حل تفاوضي عادل ومستدام. وفي الوقت الذي
تبقى فيه آراء المعارضة قوية، فإن المبادرة مستمرة في إثبات أنها الخيار الأكثر قابلية للتطبيق في مواجهة نزاع طال أمده وأثر على الاستقرار الإقليمي.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار