الرأي والتحليل

هندسة الوعي: كيف يُصاغ الرأي العام دون أن ننتبه؟

في عصرٍ تُقاس فيه القوة بكمية المعلومات، يبدو غريباً أن يزداد ارتباك الناس كلما ازدادت الأخبار من حولهم. لم يعد نقص المعلومات هو المشكلة، بل العكس تماماً: وفرتها الهائلة. فبين آلاف العناوين العاجلة والتنبيهات المتلاحقة، يصبح من السهل أن نعرف الكثير من التفاصيل الصغيرة، وأن نفقد في الوقت نفسه القدرة على رؤية الصورة الكبرى. هذه المفارقة ليست جديدة. فقد لفت إليها منذ عقود المفكر واللغوي Noam Chomsky في تحليلاته حول دور الإعلام في تشكيل الرأي العام، خصوصاً في كتابه الشهير Manufacturing Consent.

الفكرة الأساسية ليست أن هناك مؤامرة تُدار دائماً من خلف الستار، بل أن منظومة الإعلام والسياسة والاقتصاد تعمل وفق آليات تجعل توجيه الوعي الجماعي أمراً ممكناً، بل أحياناً سهلاً. دعونا نتوقف عن خداع أنفسنا؛ نحن لا نعيش في “عصر المعلومات”، بل نعيش في “عصر التشويش العظيم”. المشكلة اليوم ليست في أننا لا نعرف، بل في أننا “نظن” أننا نعرف، بينما الحقيقة أن وعينا يتم تشكيله في غرف مغلقة خلف خوارزميات صماء ومصالح سياسية لا ترحم.

أحد أكثر الأساليب فعالية في التأثير على المجتمعات ليس القمع، بل الإلهاء. فحين تمتلئ الشاشات والمنصات بقصص المشاهير وفضائحهم، والجدالات السطحية، والفضائح اليومية وقصص الانتقام، يتحول انتباه الجمهور تدريجياً بعيداً عن القضايا التي تمس حياته فعلياً: السياسات الاقتصادية، توزيع الثروة، القرارات التي سترسم ملامح المستقبل. الضجيج هنا لا يمنع الناس من الكلام؛ بل يدفعهم للحديث طوال الوقت، عن أشياء أقل أهمية. وهكذا يصبح المجتمع مشغولاً دائماً، لكنه نادراً ما يكون منشغلاً بما هو حاسم. الإعلام الحديث، ومن ورائه منصات التواصل، يتبع سياسة “الإلهاء بالضجيج”. إنهم يطعموننا “علكة” فكرية لنمضغها طوال اليوم، بينما تُطبخ الطبخة الحقيقية بعيداً عن أعيننا.

التاريخ يوضح أن المجتمعات تقاوم القرارات الجذرية حين تُفرض فجأة. لذلك غالباً ما يأتي التغيير الحقيقي على شكل خطوات صغيرة متتالية. كل خطوة تبدو محدودة الأثر، وربما قابلة للتبرير في سياقها اللحظي. لكن مع مرور الوقت تتجمع هذه الخطوات لتصنع تحولاً كبيراً. ما كان سيبدو غير مقبول لنا قبل سنوات قد يصبح اليوم أمراً عادياً، لا لأننا وافقنا عليه صراحة، بل لأننا اعتادنا تدريجياً. كل يوم نتنازل عن جزء من خصوصيتنا أو سيادتنا مقابل “راحة” موهومة، حتى استيقظنا لنجد أنفسنا في قدر يغلي، إنها آلية تشبه الماء حين يسخن ببطء حيث لا يشعر المرء بالحرارة إلا بعد فوات الأوان. تذكروا كيف كانت ردود فعلنا قبل سنوات تجاه فكرة الرقابة الرقمية أو التبعية المطلقة للخارج؟ كانت مرفوضة جملة وتفصيلاً. اليوم، نتقبلها كجزء من روتيننا اليومي.

الإعلام الحديث يعرف جيداً أن الإنسان لا يتخذ قراراته دائماً بعقل بارد. الخوف، الغضب، الشعور بالتهديد أو الانتماء… كلها عواطف قادرة على تحريك الجماهير بسرعة أكبر بكثير من التحليل الهادئ. لذلك تُعرض علينا الكثير من القضايا المعقدة في صورة مبسطة ومشحونة عاطفياً. فبدلاً من نقاش طويل حول الأرقام والسياسات، تُختزل القضية في صورة أو شعار أو قصة مؤثرة.

في لحظات الأزمات الكبرى يبحث الناس عن الأمان قبل أي شيء آخر. الخوف يجعل المجتمعات أكثر استعداداً لقبول إجراءات لم تكن لتقبلها في الظروف العادية. حين يرتفع القلق، يصبح الحل السريع جذاباً، حتى لو كان ثمنه تنازلات طويلة المدى. وهكذا تتحول الأزمات أحياناً إلى لحظات حاسمة يُعاد فيها رسم حدود السلطة والحرية. ليس لأن الناس يريدون التخلي عن حقوقهم، بل لأنهم يريدون قبل كل شيء أن يشعروا بأن الخطر قد انتهى.

العاطفة هنا ليست خطأ بحد ذاتها؛ لكنها تصبح أداة قوية للتوجيه عندما تحل محل التفكير النقدي. عندما تُريد أي سلطة (سواء كانت سياسية أو مالية) تمرير قرار غير شعبي، فإنها تخلق عدواً أو أزمة. في لحظة الذعر، يتخلى الإنسان عن عقله النقدي ويبحث عن “المنقذ”. وهنا تظهر الحلول الجاهزة التي كانت موضوعة على الرف، ويتم تسويقها لنا كـ “ضرورة قصوى”. الحقيقة أننا لا نختار الحل، بل نختار الهروب من الخوف الذي صُنع لنا خصيصاً.

وسط كل هذه الآليات يبقى العامل الأكثر إزعاجاً لأي منظومة تحاول توجيه الجماهير: الوعي. المجتمع الذي يمتلك تعليماً جيداً، وإعلاماً نقدياً، وثقافة نقاش مفتوح، يصبح أقل قابلية للانجراف خلف العناوين المثيرة أو الروايات المبسطة. المعرفة لا تمنع التأثير بالكامل، لكنها تجعل التأثير أصعب. فكلما اتسعت دائرة الفهم، أصبح من الصعب اختزال الواقع في شعارات سريعة أو قصص عاطفية في فيسبوك، تيك توك، وشاشات الأخبار، نحن لسنا “المشاهد” الذي يحظى بالخدمة، نحنا “المادة الخام” التي يتم تشكيلها وبيعها للمعلنين والسياسيين. وعينا هو السلعة، ورأينا هو “المنتج النهائي” الذي يخرج من مصانع البروباجندا.

وفي نظري، المقاومة الحقيقية اليوم لا تبدأ بمتابعة المزيد من الأخبار، بل بالشك المنهجي. اسأل نفسك دائماً قبل أن تغضب أو تتحمس لخبر ما: من المستفيد من انشغالي بهذا الآن؟ و ما الذي يحاولون إخفاءه خلف هذا الستار؟. إن لم تكن أنت من يقود تفكيرك، فهناك من يقوده نيابة عنك وباتجاه يخدم مصلحته هو، لا مصلحتك أنت.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار