المغرب..محامون متشبثون بالإضراب وحكومة منشغلة بالحملة الانتخابية ومواطنون يؤدون الثمن
تتواصل حالة الاضطراب التي تعرفها محاكم المغرب للشهر الثالث على التوالي، في ظل استمرار المحامين في التوقف الشامل عن تقديم خدماتهم، احتجاجاً على مقتضيات قانون مهنة المحاماة، في وقت يبدو فيه أفق تسوية الخلاف بين الطرفين غائباً، بعدما دخل القانون حيز التنفيذ إثر نشره في الجريدة الرسمية.
وبينما تعتبر الحكومة أن المصادقة على القانون ونشره رسمياً أنهيا النقاش المؤسساتي حوله، يصر أصحاب البذل السوداء على مواصلة احتجاجاتهم، ما جعل المحاكم تعيش حالة غير مسبوقة من التأخير والارتباك، انعكست بشكل مباشر على المتقاضين والمعتقلين وعائلاتهم، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تداعيات صراع لا يد لهم فيه.
وعلى أبواب المحاكم، تتزايد شكاوى المواطنين من تأجيل الجلسات وتراكم الملفات، خصوصاً بالنسبة إلى من يضطرون إلى قطع مسافات طويلة لحضور مواعيد قضائية لا تنعقد في موعدها، بما يفرض عليهم تكاليف إضافية ويؤخر حسم قضاياهم. كما يواجه عدد من المعتقلين صعوبة في الاستفادة من خدمات الدفاع، في وقت تثير فيه محاكمة بعض الملفات دون حضور المحامين تساؤلات حول مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
وتظهر المعطيات المنشورة عبر موقع “المحاكم” أن عدداً كبيراً من الجلسات ينتهي إلى التأجيل بسبب غياب الدفاع، الأمر الذي يفرض على المتقاضين العودة مرة أخرى إلى المحاكم وانتظار مواعيد جديدة، بما يترتب عن ذلك من أعباء مادية ومعنوية، خصوصاً بالنسبة إلى المواطنين الذين يضطرون إلى السفر من مدن ومناطق بعيدة لحضور جلساتهم.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند تأخير الملفات، إذ يجد بعض المعتقلين أنفسهم خلف القضبان في انتظار محاكمتهم دون الاستفادة من حضور دفاعهم بالشكل المعتاد، بينما يواجه مواطنون آخرون صعوبة في حماية حقوقهم ومصالحهم بسبب تعطل الخدمات القانونية المرتبطة بالمحاكم، في وقت لا يمتلك فيه كثير من المتقاضين المعرفة الكافية بالقوانين والمساطر القضائية التي تمكنهم من متابعة ملفاتهم بشكل مستقل.
وتزداد حساسية الوضع في الملفات التي ترتبط بالحريات والحقوق الأساسية، حيث أثارت محاكمة بعض المتابعين في غياب الدفاع انتقادات حقوقية، ومن بينها ملفات الموقوفين على خلفية أحداث الهجرة الأخيرة نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، باعتبار أن ضمان حق الدفاع يعد أحد العناصر الأساسية في أي محاكمة تستجيب لمعايير المحاكمة العادلة.
ورغم استمرار هذا الوضع، لم تظهر إلى حدود الآن مبادرات حكومية معلنة قادرة على إعادة فتح قنوات الحوار مع المحامين وإنهاء الأزمة. وكان وزير العدل قد اعتبر في تصريحات سابقة أن نشر القانون في الجريدة الرسمية يمثل محطة حاسمة في مسار اعتماده، وأنه بات من الضروري الانتقال إلى مناقشة ملفات أخرى، على اعتبار أن الخلاف حول القانون أصبح من الماضي.
غير أن موقف الوزارة لم يضع حداً للاحتجاج، بل استمر المحامون في تنفيذ قرار التوقف الشامل عن العمل، في وقت انتقل فيه الاهتمام الحكومي إلى الاستحقاقات الانتخابية، حيث انخرط رئيس الحكومة ووزراؤه في الحملة الانتخابية والتنافس السياسي والتراشق بين مختلف الأطراف، بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر.
وفي المقابل، بقيت المحاكم تعيش على وقع التأجيلات والاضطراب، فيما يواجه المواطنون انعكاسات مباشرة لهذا الوضع، سواء من خلال تأخر الفصل في قضاياهم أو ارتفاع تكاليف التنقل والحضور المتكرر أمام المحاكم، فضلاً عن حالة عدم اليقين التي أصبحت ترافق عدداً من الملفات القضائية.
ولا تزال هيئات المحامين متمسكة بمواصلة خطواتها الاحتجاجية، في انتظار ما سيصدر عن اجتماع مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب المرتقب..الخميس، والذي ينتظر أن يشكل محطة أساسية لتحديد مستقبل الاحتجاجات ومآل الأزمة مع وزارة العدل.
ومن المنتظر أن تكشف الجمعية، خلال الندوة الصحافية التي تعتزم تنظيمها عقب الاجتماع، عن آخر مستجدات الملف وموقفها من التطورات التي أعقبت دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، إلى جانب تحديد الخطوات التي قد تتخذها الهيئات المهنية خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد أصوات من داخل الجسم المهني تدعو إلى إعادة النظر في أسلوب الاحتجاج، والعودة إلى المحاكم، خصوصاً بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، مع اعتماد أشكال أخرى من النضال المهني للضغط من أجل تعديل المقتضيات التي يعترض عليها المحامون.
لكن في المقابل، لا تبدو جميع مكونات المهنة مستعدة للتراجع عن خيار التوقف الشامل. فقد جددت فيدرالية المحامين الشباب بالمغرب تمسكها بمواصلة الاحتجاج، مؤكدة أن الغالبية العظمى من المحامين لا تزال متمسكة بخيار الاستمرار في النضال وفق الأشكال التي سبق تسطيرها إلى حين تحقيق المطالب المعلنة.
واعتبرت الفيدرالية، في بلاغ لها، أن المرحلة الحالية تقتضي الانتقال بالمعركة إلى مستوى آخر، وبـ«عزم وإصرار وقوة أكبر»، في إشارة إلى استمرارها في دعم التوقف الشامل عن أداء الخدمات ومختلف الأشكال الاحتجاجية المصاحبة له.
وهكذا، تستمر الأزمة بين الحكومة والمحامين دون تسوية واضحة، فيما تتسع دائرة المتضررين لتشمل المتقاضين وعائلاتهم، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة تأجيلات متكررة وتعطل للمصالح وتكاليف إضافية، بينما تظل الحاجة إلى حوار جدي بين الأطراف قائمة لتجنب استمرار تأثير الخلاف المهني على السير العادي لمرفق العدالة وحق المواطنين في الولوج إلى القضاء داخل آجال معقولة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار