أقلام حرة

CAN 2025 في الرباط: حين تُربك الأخوّةُ الشعبية جمودَ الدبلوماسية

«التاريخ لا تصنعه الدول وحدها، بل تصنعه أيضًا المشاعر الصامتة التي تعيش أطول من القرارات.»
— فرناند بروديل (بتصرّف)

في الرباط، خلال أمسيات كأس أمم إفريقيا 2025، لا تُقاس السياسة ببيانات وزارية ولا تُختزل في خرائط المصالح. تُقاس، على نحوٍ أكثر صدقًا، في المسافة القصيرة بين مشجعَين يتقاسمان مقعدًا في المدرج، وفي لهجةٍ مغاربيةٍ واحدةٍ تتجاوز اختلاف الأعلام. هنا، تتقدّم الأخوّة الشعبية على جمود العلاقات الرسمية، وتُربك كرةُ القدم حسابات الدبلوماسية حين تعجز.
على مقربة من الملاعب، تبدو الحكاية مختلفة عمّا تقوله نشرات الأخبار. مغاربة وجزائريون يتبادلون الهتاف والضحك، يلتقطون الصور، ويجادلون في تفاصيل تكتيكية لا في عناوين سياسية. ليست هذه رومانسية عابرة ولا فولكلورًا رياضيًا؛ إنها واقعة اجتماعية ملموسة تكشف فجوةً عميقة بين المزاج الشعبي والخطاب الرسمي. فبينما تُدار الخلافات في غرف مغلقة، تُدار المشاعر في فضاء مفتوح، حيث تختبر السياسة حدودها أمام الثقافة والذاكرة المشتركة.
لطالما كانت الرياضة مرآة للهوية، لكنها في الرباط أدّت دورًا أكثر جرأة: فضاءً مضادًا للقطيعة. في زمنٍ تتصلّب فيه الحدود، تُظهر المدرجات قدرة المجتمع على إعادة تعريف العلاقة بعيدًا عن منطق “الصفر السياسي”. كرة القدم هنا ليست بديلًا عن الدبلوماسية، لكنها تُعيد ترتيب أولوياتها، وتُذكّر بأن الشرعية العاطفية—لا الإجرائية—هي ما يصمد طويلًا.
ما تكشفه CAN 2025 هو “المغاربية المؤجَّلة”: شعورٌ جماعي بأن القطيعة ليست قدرًا. اللغة واحدة، الذاكرة قريبة، والمستقبل—على الأقل في مخيلة الشباب—مشترك. هذا الإدراك لا ينفي عمق الخلافات ولا يستخف بها، لكنه يفضح هشاشة الرهان على الزمن وحده لإدامة الانفصال.
اختيار الرباط ليس تفصيلًا. المدينة التي استثمرت في الفضاءات العامة والبنية التحتية الرياضية قدّمت نموذجًا لاستضافة تُراهن على الإنسان بقدر ما تُراهن على الحدث. التنظيم المحكم أتاح للناس أن يلتقوا بلا توتر، وأن يختبروا “الطبيعي” الذي غاب طويلًا. هكذا تتحول المدينة إلى وسيطٍ صامتٍ بين شعبين، لا يفرض المصالحة، لكنه يهيّئ شروطها الاجتماعية.
رأي التحرير
الرسالة التي خرجت من المدرجات أوضح من أي بيان رسمي: لا يمكن إدارة العلاقات بين الشعوب بمنطق القطيعة الدائمة دون كلفة أخلاقية وثقافية وسياسية. السياسة الرشيدة لا تُصغي فقط لما يُقال في القمم، بل لما يتجلى في الشارع حين يلتقي الناس بلا وساطة ولا توجيه.
إن مشاهد الأخوّة المغربية-الجزائرية التي رافقت البطولة ليست حدثًا هامشيًا، بل مؤشرًا استراتيجيًا ينبغي قراءته بعمق. فهي تُظهر أن المغرب العربي، رغم انسداده الرسمي، لا يزال حيًا في الوجدان الجمعي لشعوبه. وتجاهل هذه الحقيقة ليس حيادًا سياسيًا، بل تفريط في فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة من أسفل إلى أعلى.
خلاصة تحريرية:
CAN 2025 لم تُنهِ الخلافات، لكنها أعادت ترتيب المشهد. وفي عالم تتزايد فيه الانقسامات، تذكّرنا الرباط بأن المستقبل لا يبدأ دائمًا من الاتفاقيات… بل أحيانًا من مدرجٍ مزدحم، وهتافٍ مشترك، وذاكرةٍ ترفض أن تنسى.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار