منوعات

ثلاث سنوات من حكم سعيد أمزازي بسوس ماسة: حصيلة بنى تحتية كبرى وتحديات تنموية مستمرة

 

تحت شعار: “التسريع الصناعي والتحول الرقمي”، يواصل الوالي الجديد ترسيخ أسس نموذج اقتصادي طموح، لكنه يواجه إرثاً معقداً من البطالة والتفاوت المجالي.

أكمل السيد سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة وعامل عمالة أكادير إدا وتنان، ثلاث سنوات على رأس أكبر جهات الجنوب المغربي. منذ تعيينه في خريف 2022 خلفاً للوالي أحمد حجي، دشن السيد أمزازي دينامية تنموية غير مسبوقة، محولاً الجهة إلى ورش مفتوح لإعادة الهيكلة الاقتصادية وتحديث البنية التحتية. فبين إطلاق مشاريع صناعية ولوجستية عملاقة وتفعيل برامج رقمية طموحة، تسعى سلطة الجهة إلى تصحيح الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها المنطقة.

ربما كان أبرز إنجازات الولاية هو تجسيد التحول من الجهة السياحية بالأساس إلى منطقة جاذبة للاستثمار الصناعي واللوجستي. يُعد “المنطقة الصناعية المندمجة بأكادير” قاطرة هذه الاستراتيجية، حيث تم إنجاز شقيها الأول والثاني بالكامل وتسويقهما بالكامل، بينما شرع في الشق الثالث (جويلية 2024) باستثمار إجمالي يقدر بـ 175 مليون درهم، على أن يكتمل بحلول يوليوز 2025 . هذه المشاريع، المدعومة بمساهمة وزارة الصناعة بـ 50 مليون درهم، وفرت مناخاً جاذباً للمستثمرين، مما ساهم في تعزيز النسيج الإنتاجي الذي بلغ 22,143 مقاولة نشطة سنة 2023، محققة رقم معاملات إجمالي قدره 123.1 مليار درهم .

ولم تقتصر الجهود على الأكادير الكبرى، بل امتدت إلى الأقاليم الناشئة. فإقليم شتوكة آيت باها، الذي يظهر بوتيرة متسارعة في استحداث المقاولات، يشهد أيضا قفزة نوعية بفضل المشاريع المهيكلة . في هذا السياق، تمت المصادقة على مشروع إنجاز مطار إقليمي بطرفاية (جماعة بوجاج) باستثمار 100 مليون درهم، يهدف إلى فك العزلة عن المنطقة وتعزيز تنميتها الاقتصادية والسياحية، وتخفيف الضغط عن مطار المسيرة .

أما على مستوى اللوجستيات، فقد تم إطلاق مشروع ضخم للمنطقة اللوجستية “الكليا” جنوب أكادير، الذي يتطلب استثماراً عمومياً قدره 350 مليون درهم على مساحة 45 هكتاراً، ومن المتوقع أن يخلق 550 فرصة عمل مباشرة وألفي فرصة غير مباشرة . هذه الدينامية تؤهل سوس ماسة لتتحول إلى مركز محوري للتجارة الخارجية والربط بين شمال البلاد وجنوبها، تماشياً مع المخطط الوطني لتطوير اللوجستيات .

لم يغفل السيد أمزازي، الحاصل على الدكتوراه في علوم الحاسوب، البعد الرقمي في التنمية. فتحت إشرافه، تم تفعيل برنامج “SMART Tourisme” لدعم المقاولات الصغيرة جدا والمتوسطة السياحية. وفي أقل من ثلاث سنوات، تم انتقاء ودعم 142 مشروعا سياحيا، وساهمت المنصة الرقمية الجهوية في رفع ال visibility للعروض السياحية عبر ربطها بقنوات الحجز العالمية مثل Booking.com و Viator . ويهدف هذا البرنامج بالخصوص إلى تنشيط القطاع الذي يعاني عادة من هشاشة هيكلة العروض، حيث أن 75% من المشاريع الممولة تتمحور حول “الأنشطة السياحية” وليس الإيواء التقليدي .

هذه الجهود تعكس توجها نحو تنويع الاقتصاد الجهوي، خاصة في قطاع الصناعة والخدمات الرقمية. التقرير الأخير للمرصد المغربي للمقاولة الصغيرة جدا والمتوسطة يؤكد هذا التحول، مشيرا إلى أن المقاولات الكبيرة استحوذت على 52.3% من رقم المعاملات بالجهة، وهي زيادة كبيرة مقارنة بفترة ما قبل الجائحة . غير أن الخبراء يحذرون من أن النسيج الإنتاجي لا يزال يعتمد بشكل كبير على التجارة (49.6% من رقم المعاملات)، مما يدعو إلى مزيد من التصنيع لضمان نمو متوازن .

رغم الأرقام الاقتصادية المبهرة، يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه ولاية السيد أمزازي هو سوق الشغل. فبينما انخفضت البطالة إلى 12.1% في الربع الأول من 2025 (مقابل 13.5% في 2023)، فإنها لا تزال مرتفعة بشكل مقلق، والأخطر من ذلك أن نسبة النشاط (40.3%) تبقى أدنى من المعدل الوطني بكثير . يكمن العمق المأساوي لهذه المشكلة في حجم الشباب العاطل عن العمل وغير الملتحق بالمدارس أو التكوين، والذي يقدر بـ 120,000 شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة .

هذا الوضع يعكس قصور النمو الاقتصادي الجهوي عن امتصاص اليد العاملة، رغم الجهود المبذولة. كما أظهر تقرير المرصد ارتفاعا “مقلقا” في عدد المقاولات المصرّح بحلها، حيث قفز المعدل السنوي من 400 حالة قبل الجائحة إلى 660 خلال 2022-2023 . هذه المعطيات دفعت المجلس الجهوي إلى تنظيم “منتدى الفاعلين الاقتصاديين” تحت رعاية الوالي مباشرة، لمناقشة إشكالية التشغيل وبحث سبل تقريب مخرجات التكوين من متطلبات السوق .

في البعد الاجتماعي، شهدت الجهة قفزة نوعية بتدشين 32 مرفقاً صحياً في نونبر 2024، منها 29 مركزاً صحياً تم تأهيلها ومركزين متخصصين في الصحة للشباب، مما يعزز الولوج إلى الخدمات الصحية لأكثر من 1.6 مليون نسمة . هذا التوجه يؤكد حرص السلطة الجهوية على الموازنة بين التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية، لكنه يظل غير كاف لحل أزمة التشغيل المزمنة.

ثلاث سنوات من ولاية سعيد أمزازي رسمت معالم سوس ماسة الجديدة: جهة تخلت عن عزلتها الاقتصادية التقليدية وانخرطت بقوة في معركة الاستثمار والتصنيع. نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بقدرة السياسات العمومية على تحويل مشاريع البنى التحتية إلى فرص شغل فعلية، وتوسيع دائرة العدالة الاجتماعية لتشمل أقاليم تارودانت وتزنيت وطرفاية، لكي لا يظل “النموذج التنموي” حبيس العاصمة الجهوية أكادير.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار