حين ينهار المعلم في إسبانيا… ترتجف أوروبا كلها
احتجاجات أليكانتي وفالنسيا تكشف تصدع الدولة الاجتماعية الأوروبية وتحول المدرسة العمومية إلى ساحة صراع اقتصادي وسياسي يهدد مستقبل القارة.
إضراب يتجاوز حدود التعليم
في صباح يوم الإثنين 18 ماي 2026، لم يكن المشهد في إقليم أليكانتي مجرد تجمعٍ مهني لأساتذة يرفعون اللافتات أمام المؤسسات التعليمية. بل بدا وكأنه إنذار سياسي واجتماعي موجَّه إلى أوروبا بأكملها.
فقد خرج المئات من المدرسين في عدة مدن إسبانية، خصوصاً في منطقة فالنسيا وأليكانتي، احتجاجاً على تدهور ظروف العمل، واستمرار الاكتظاظ داخل الفصول، ونقص الموارد البشرية، وتآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم المتواصل الذي بلغ خلال الفترات الأخيرة حوالي 3.2% وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء الإسباني.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار المواد الأساسية والطاقة بوتيرة أكبر من تطور الأجور. كما تناولت صحف إسبانية عديدة، من بينها El País وABC وCadena SER، اتساع رقعة الغضب داخل القطاع التعليمي، معتبرة أن ما يحدث لم يعد أزمة نقابية عابرة، بل مؤشراً على تصدع النموذج الاجتماعي الإسباني نفسه.
أرقام تكشف عمق الأزمة
بحسب المعطيات التي نشرتها الصحافة الإسبانية، فإن نحو 78 ألف مدرس في التعليم العمومي داخل إقليم فالنسيا وحده دُعوا للمشاركة في الإضراب المفتوح الذي انطلق يوم 11 ماي.
كما تحدثت بعض التقديرات النقابية عن نسب مشاركة وصلت إلى 90% في بعض المؤسسات خلال الأيام الأولى، بينما قدرت سلطات فالنسيا النسبة بحوالي 50% في اليوم الأول.
وتؤكد النقابات أيضاً أن الأساتذة فقدوا ما يقارب 20% من قدرتهم الشرائية منذ سنة 2010 بسبب التضخم وتجميد الأجور لفترات طويلة.
أما داخل الفصول الدراسية، فتبدو الأزمة أكثر وضوحاً. فقد تجاوز عدد التلاميذ في بعض الأقسام داخل فالنسيا وأليكانتي سقف 30 تلميذاً، وهو رقم تعتبره النقابات سبباً مباشراً في إنهاك المدرسين وتراجع جودة التحصيل الدراسي.
تفاوت الرواتب بين الأقاليم
تكشف الأرقام كذلك حجم التفاوت الصارخ بين الأقاليم الإسبانية في ما يتعلق بالأجور والموارد التعليمية.
فمتوسط الراتب الشهري الصافي لأستاذ التعليم الابتدائي في بعض الأقاليم يتراوح بين 1500 و1850 يورو. بينما يتجاوز راتب أساتذة الثانوي في أقاليم أخرى حاجز 2000 يورو شهرياً، مع امتيازات إضافية مرتبطة بالمنطقة والأقدمية.
وفي المقابل، تؤكد تقارير تربوية أن الفجوة بين الأقاليم لا تتعلق فقط بالأجور، بل تشمل أيضاً التجهيزات وعدد الأساتذة والبنية التعليمية.
أزمة المدرسة العمومية الأوروبية
لكن القراءة العميقة لهذا الحراك تكشف أن إضراب الأساتذة في إسبانيا يتجاوز كثيراً حدود المطالب المهنية التقليدية.
فالأزمة الحالية تضرب في العمق فكرة المدرسة العمومية الأوروبية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية باعتبارها أداة للترقي الاجتماعي وحصناً للاستقرار الديمقراطي.
واليوم، يشعر جزء متزايد من المدرسين الإسبان بأن الدولة تطالبهم بأداء أدوار تربوية ونفسية واجتماعية متزايدة، بينما تتراجع في المقابل الحماية المؤسساتية والاعتراف المعنوي والمادي بالمهنة.
ومن هنا تحديداً تنبع خطورة ما يحدث.
حين تتحول المعرفة إلى ساحة صراع
إسبانيا التي نجحت خلال العقود الماضية في بناء أحد أكبر أنظمة التعليم العمومي في جنوب أوروبا، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة قاسية.
عدد المهام المفروضة على الأستاذ يرتفع باستمرار، بينما تتراجع جاذبية المهنة اجتماعياً واقتصادياً.
ولذلك، لم يعد الاحتجاج مجرد مطالبة بزيادة الأجور، بل أصبح صراعاً حول مكانة المعرفة نفسها داخل المجتمع الإسباني المعاصر.
وفي هذا السياق، يستحضر كثير من المثقفين الإسبان مقولة الفيلسوف الإسباني الكبير José Ortega y Gasset:
“قل لي ماذا تُعلّم أُخبرك أي مجتمع تبني.”
وهي عبارة تختصر بدقة جوهر الأزمة الحالية؛ لأن التعليم في النهاية ليس خدمة إدارية فقط، بل مشروع حضاري طويل المدى.
النقابات ترفع سقف المواجهة
صرح ممثلون عن نقابات تعليمية إسبانية، من بينها نقابة “STEs-Intersindical”، بأن:
“الأساتذة لم يعودوا يحتجون فقط من أجل الرواتب، بل من أجل إنقاذ المدرسة العمومية من التدهور التدريجي.”
وفي الوقت نفسه، عرضت حكومة فالنسيا زيادة سنوية قدرها 1050 يورو خام، أي ما يعادل نحو 75 يورو شهرياً، تُصرف تدريجياً بين 2027 و2029.
غير أن النقابات اعتبرت العرض غير كافٍ وقررت مواصلة الإضراب.
وفي المقابل، دافع مسؤولون محليون عن سياسات الحكومة الإقليمية، مؤكدين أن رواتب الأساتذة ارتفعت بحوالي 4000 يورو خام سنوياً منذ 2022 داخل بعض مناطق فالنسيا، لينتقل متوسط الأجر من حوالي 34,780 يورو إلى ما يقارب 39 ألف يورو سنة 2026.
غير أن المدرسين يعتبرون أن هذه الزيادات فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الحقيقية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجار والطاقة.
أليكانتي… الوجه الرمزي للأزمة
في أليكانتي تحديداً، حملت احتجاجات يوم الإثنين دلالة رمزية خاصة.
فالإقليم يُعد من أكثر المناطق التي تعاني ضغطاً ديمغرافياً متزايداً بفعل الهجرة الداخلية والخارجية وارتفاع عدد التلاميذ مقارنة بالإمكانات المتاحة.
لذلك رفع المحتجون شعارات تتعلق مباشرة بالاكتظاظ ونقص التوظيف وتراجع جودة التعليم العمومي.
كما تحدثت تقارير صحفية إسبانية عن تصاعد القلق من فقدان آلاف المدرسين الثقة في مستقبل المهنة، خصوصاً بين الأجيال الشابة.
أزمة أوروبية وليست إسبانية فقط
غير أن البعد الأخطر للأزمة لا يكمن فقط في الإضرابات المتكررة، بل في التحول النفسي الذي أصاب فئة واسعة من المدرسين.
فبعدما كان الأستاذ في المخيال الأوروبي يمثل أحد أعمدة الطبقة الوسطى وحارساً للهوية الثقافية للدولة، أصبح كثير من العاملين في القطاع يشعرون بأنهم يتحملون أعباءً متزايدة داخل منظومة بيروقراطية مرهقة لا تمنحهم المكانة التي كانت تحظى بها المهنة سابقاً.
وفي المقابل، تدرك الحكومة الإسبانية أن أي فشل في احتواء الأزمة قد يفتح الباب أمام موجة احتجاج اجتماعي أوسع، خاصة أن قطاعات الصحة والنقل والخدمات العمومية تعرف بدورها توترات متصاعدة.
ولهذا السبب، تنظر دوائر سياسية أوروبية إلى ما يحدث في إسبانيا باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الديمقراطيات الأوروبية على الحفاظ على تماسكها الاجتماعي في مرحلة تتزايد فيها الضغوط الاقتصادية والاستقطابات السياسية.
ثم إن المسألة لم تعد إسبانية فقط.
ففرنسا وألمانيا وإيطاليا تشهد هي الأخرى نقاشاً حاداً حول مستقبل المدرسة العمومية ومكانة المدرس داخل المجتمع.
وبالتالي، فإن ما يجري في مدريد وأليكانتي وبرشلونة يحمل في الواقع بعداً أوروبياً أوسع: هل ما زالت أوروبا تعتبر التعليم استثماراً استراتيجياً في أمنها الحضاري؟ أم أنها بدأت تتعامل معه باعتباره عبئاً مالياً يمكن تقليصه تدريجياً؟
أوروبا أمام اختبار تاريخي
هنا تحديداً تكمن العقدة الكبرى.
لأن الأمم لا تنهار فقط عندما تخسر الحروب أو تتراجع اقتصادياً، بل أيضاً عندما تفقد المدرسة قدرتها على إنتاج الثقة والأمل والمعنى.
ولذلك، فإن إضراب الأساتذة في إسبانيا لا يمثل أزمة قطاعية عابرة، بل يكشف صراعاً أعمق حول شكل الدولة الأوروبية المقبلة، وحول ما إذا كانت القارة قادرة فعلاً على حماية نموذجها الاجتماعي في عصر التضخم والتوترات والهشاشة المتصاعدة.
وفي النهاية، قد تتمكن الحكومات الأوروبية من احتواء الإضرابات مؤقتاً عبر التفاوض أو الزيادات المالية المحدودة، لكنها ستواجه خطراً أكبر بكثير إذا استمرت في إضعاف المدرسة العمومية تدريجياً.
لأن الدول تستطيع تعويض الخسائر الاقتصادية، ويمكنها تجاوز الأزمات السياسية، لكنها حين تخسر المعلم… فإنها لا تخسر موظفاً فقط، بل تخسر الجيل الذي كان سيمنع انهيارها البطيء.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار