الاتحاد الدستوري والمساندة النقدية.. تموقع سياسي أم بداية فقدان الهوية الحزبية؟
- في خطوة تطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل تموقعه السياسي، اختار المكتب السياسي لحزب الاتحاد الدستوري تبني خيار «المساندة النقدية» للحكومة المقبلة، مع التأكيد على الحفاظ على استقلالية القرار السياسي للحزب، وذلك عقب اجتماع عقده بالرباط يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بحضور برلمانييه.
قرار يبدو، من الناحية النظرية، محاولة للجمع بين دعم العمل الحكومي وممارسة الرقابة عليه، لكنه يفتح، من الناحية السياسية، نقاشاً أعمق حول حدود هذا الخيار، ومدى قدرة الحزب على الحفاظ على هويته وموقعه داخل المشهد الحزبي المغربي.
فما معنى أن يساند حزبٌ الحكومةَ بشكل نقدي؟ وهل يتعلق الأمر بتموقع سياسي يمنحه هامشاً للمناورة، أم بصيغة رمادية قد تجعله حاضراً في المؤسسات، لكنه غائب عن التأثير السياسي الحقيقي؟
معارضة بلا أنياب؟
تقوم المعارضة، في جوهرها، على مراقبة العمل الحكومي، ومساءلة المسؤولين، وتقديم البدائل، والدفاع عن اختيارات سياسية مختلفة. أما المساندة النقدية، فتضع الحزب في منطقة وسطى، حيث لا ينخرط رسمياً في الأغلبية، ولا يختار في المقابل الوقوف في صف المعارضة بشكل واضح.
وهنا تكمن الإشكالية: كيف سيحدد الاتحاد الدستوري الخط الفاصل بين الملفات التي سيدعم فيها الحكومة وتلك التي سيعارضها؟ وما المعايير التي سيعتمدها في التصويت على القوانين والمشاريع الحكومية؟ وهل سيستطيع إقناع الرأي العام بأن مواقفه تنطلق من قناعات سياسية وبرامجية واضحة، لا من حسابات ظرفية مرتبطة بتوازنات المرحلة؟
إن التصويت إلى جانب الحكومة في الملفات الأساسية، مع الاكتفاء بانتقاد بعض قراراتها، قد يمنح الحزب هامشاً للتحرك، لكنه قد يضعه أيضاً أمام صعوبة تفسير موقعه للناخبين. فالمواطن لا ينظر فقط إلى البيانات الحزبية، بل يتابع المواقف داخل البرلمان، ويقارن بين الخطاب والممارسة، وبين الوعود والقرارات المتخذة.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطر الذي يواجه الحزب لا يتمثل بالضرورة في اختيار المساندة النقدية في حد ذاته، بل في تحوله إلى موقف فضفاض لا تحكمه ضوابط واضحة، ولا ينتج عنه تميز سياسي يمكن للناخبين التعرف عليه.
من بيان مشترك إلى حسابات التموقع
وكان الاتحاد الدستوري قد دخل، قبل هذا القرار، في تنسيق سياسي مع حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، تُوّج ببيان مشترك عكس توجهاً نحو التشاور بشأن المرحلة السياسية المقبلة.
غير أن هذا التقارب لم يتحول، وفق المعطيات المتداولة، إلى تموقع سياسي متماسك، بعدما فُتح باب الحوار بشأن تشكيل الحكومة المقبلة. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل كانت تلك المبادرة تعبيراً عن تقارب في الرؤى والبرامج، أم مجرد محاولة لتحسين شروط التفاوض بشأن الموقع الذي سيشغله الحزبان في الخريطة السياسية الجديدة؟
فالتحالفات الحزبية لا تُقاس فقط بالبيانات المشتركة والصور الجماعية، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام أول اختبار سياسي حقيقي. وحين تتباين الحسابات بمجرد انطلاق المشاورات، يصبح من الضروري التساؤل عن طبيعة الأسس التي بُني عليها التنسيق منذ البداية.
إن بناء موقع سياسي مستقل يتطلب أكثر من إعلان النوايا؛ إنه يحتاج إلى أرضية مشتركة، ومواقف واضحة، وحد أدنى من الالتزام المتبادل، حتى لا تتحول المبادرات التنسيقية إلى محطات عابرة تنتهي بمجرد تغير شروط التفاوض.
هل يستطيع الاتحاد الدستوري الحفاظ على هويته؟
التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الدستوري لا يرتبط فقط بالمشاركة في الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة، بل بقدرته على تقديم نفسه باعتباره حزباً يمتلك تصوراً سياسياً واضحاً، وبرنامجاً قابلاً للتنفيذ، ومواقف يمكن مساءلته بشأنها.
فالحزب الذي يختار المساندة النقدية مطالب بتحديد مضمونها عملياً، لا الاكتفاء بتسميتها. فإذا كان سيدعم الحكومة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، فعليه أن يوضح أسباب دعمه، وأن يحدد الملفات التي يعتبرها خطوطاً حمراء. وإذا كان سيعارض بعض الاختيارات الحكومية، فمن الضروري أن يقدم بدائل ملموسة، وأن يشرح للرأي العام حدود اختلافه مع الأغلبية.
أما الجمع بين خطاب نقدي وممارسة برلمانية داعمة بصورة شبه دائمة، فقد يخلق فجوة بين ما يقوله الحزب وما يفعله ممثلوه. وهذه الفجوة، إن اتسعت، قد تؤثر في صورته لدى الناخبين، وتضعف قدرته على إقناعهم بجدوى استقلاليته السياسية.
وليس معنى ذلك أن كل مساندة نقدية تؤدي بالضرورة إلى إضعاف الحزب؛ فقد تكون خياراً مؤسساتياً مشروعاً إذا استندت إلى اتفاق واضح بشأن القضايا التي سيحظى فيها العمل الحكومي بالدعم، مع الاحتفاظ بحق الاعتراض والمساءلة في الملفات الأخرى. لكن نجاح هذا الخيار يظل رهيناً بوضوح المواقف، والانسجام بين القيادة والبرلمانيين، والقدرة على تحويل النقد إلى ممارسة سياسية ملموسة.
بين الواقعية السياسية وذوبان المواقف
قد يرى المدافعون عن هذا الخيار أنه يمنح الحزب مرونة في التعامل مع حكومة لم يشارك في تشكيلها، ويتيح له التأثير في بعض القرارات دون تحمل كامل المسؤولية الحكومية. غير أن هذه المرونة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تكن مصحوبة بخط سياسي محدد.
فالاستقلالية السياسية لا تُثبت بمجرد الإعلان عنها، بل تظهر عندما تتعارض المواقف الحزبية مع رغبات الأغلبية، وعندما يختار الحزب موقفاً واضحاً رغم ما قد يترتب عنه من كلفة سياسية.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه قيادة الاتحاد الدستوري هو: ما الذي سيكسبه الحزب من هذا التموقع؟ وما الذي سيقدمه في المقابل للناخبين؟ وهل ستكون المساندة النقدية وسيلة للتأثير في السياسات العمومية، أم مجرد صيغة لتجنب الحسم بين المشاركة في الأغلبية وتحمل مسؤولية المعارضة؟
الخلاصة: الاختبار في الممارسة لا في البيانات
إن قرار الاتحاد الدستوري تبني المساندة النقدية للحكومة المقبلة يضعه أمام اختبار سياسي حقيقي. فإما أن ينجح في تحويل هذا الخيار إلى تموقع واضح، تحكمه معايير معلنة ومواقف قابلة للتقييم، وإما أن يجد نفسه في منطقة وسطى يصعب فيها على الناخب التمييز بين ما يدعمه وما يعارضه.
وقد يكون وصف هذا المسار بأنه «قتل للحزب» حكماً متسرعاً قبل تقييم نتائجه الفعلية، لكن التحذير من تآكل الهوية السياسية يظل مشروعاً إذا تحولت المساندة النقدية إلى دعم غير مشروط عملياً، تقابله انتقادات لا تغير شيئاً في موازين القرار.
فالأحزاب لا تفقد مكانتها فقط عندما تخسر الانتخابات أو تبتعد عن الحكومة، بل قد تواجه أزمة ثقة أيضاً عندما تصبح مواقفها غير قابلة للفهم أو التوقع.
وفي نهاية المطاف، لن يكون المعيار هو الاسم الذي اختاره الاتحاد الدستوري لتموقعه، بل ما سيكشف عنه تصويت برلمانييه، ووضوح مواقفه، وقدرته على مساءلة الحكومة وتقديم البدائل. فبين المساندة النقدية والمعارضة الفعلية، توجد مساحة واسعة، لكن عبورها بنجاح يتطلب وضوحاً سياسياً لا تتركه البيانات وحدها.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار