الحكومة تتفرج على غلاء مستمر ..وتبحث عن مخرج سياسي
تحول ملف دعم استيراد المواشي من إجراء حكومي قُدم للمغاربة باعتباره حلاً لأزمة ارتفاع أسعار اللحوم إلى واحد من أكثر الملفات إحراجاً للأغلبية الحكومية مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية. فبعد إنفاق مئات الملايين من الدراهم من المال العام تحت شعار دعم العرض وخفض الأسعار، كانت النتيجة على أرض الواقع صادمة؛ أسعار ملتهبة، وقطيع وطني متراجع، وقدرة شرائية منهكة، ومواطنون دفعوا وحدهم ثمن السياسات الفاشلة.
لقد روجت الحكومة لقراراتها على أنها تدخلات استثنائية لحماية السوق الوطنية وتخفيف العبء عن الأسر المغربية، غير أن الوقائع أثبتت أن الدعم السخي للمستوردين لم ينعكس بالشكل الموعود على أسعار اللحوم. وبينما استفاد عدد محدود من الفاعلين من امتيازات وإعفاءات مالية وجمركية مهمة، ظل المواطن البسيط يواجه الأسعار نفسها، بل وجد نفسه أمام زيادات متتالية أرهقت ميزانيته اليومية.
الأخطر أن الحكومة لم تنجح في إقناع الرأي العام بجدوى هذه التدابير، بعدما تحولت أرقام الدعم إلى مصدر غضب واسع داخل الشارع المغربي. فكلما ارتفعت قيمة الأموال المرصودة، ارتفع معها حجم الانتقادات والتشكيك في نجاعة السياسات المعتمدة، خصوصاً في ظل غياب أثر ملموس يشعر به المواطن في الأسواق.
اليوم، لم يعد النقاش يدور حول تفاصيل تقنية أو تدابير ظرفية، بل أصبح يتعلق بكيفية تدبير المال العام وبالحصيلة الحقيقية لسياسات كلفت خزينة الدولة مبالغ ضخمة دون أن تحقق الهدف الأساسي المعلن منها. فاللحوم بقيت بعيدة عن متناول فئات واسعة من المغاربة، فيما تحول عيد الأضحى بالنسبة لعدد كبير من الأسر إلى مناسبة مثقلة بالقلق والعجز بدل أن تكون شعيرة دينية واجتماعية جامعة.
ويبدو أن حالة الارتباك التي تطبع مواقف مكونات الأغلبية بشأن لجنة تقصي الحقائق تعكس حجم الإحراج الذي يسببه هذا الملف. فكلما اقتربت لحظة فتح النقاش المؤسساتي حول الدعم ونتائجه، ازداد الضغط السياسي على الحكومة التي تجد نفسها مطالبة بتقديم حصيلة مقنعة أمام الرأي العام.
إن ما يثير الاستياء ليس فقط فشل التدابير الحكومية في تحقيق أهدافها، بل أيضاً الهوة الكبيرة بين الوعود الرسمية والواقع المعيشي للمواطنين. فالمغاربة لم يكونوا ينتظرون بيانات تبريرية أو أرقاماً تقنية، بل كانوا ينتظرون انخفاضاً حقيقياً في الأسعار وحماية فعلية لقدرتهم الشرائية.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يتحول ملف دعم المواشي إلى عنوان بارز لحصيلة حكومية فقدت الكثير من بريقها أمام ضغط الغلاء وتآكل الثقة. فالأرقام التي قُدمت باعتبارها إنجازاً أصبحت اليوم دليلاً على فشل سياسات لم تنجح في تحقيق الأثر الاجتماعي والاقتصادي الذي وُعد به المواطنون، لتبقى النتيجة النهائية واضحة: أموال عمومية صُرفت بسخاء، وأسعار لم تنخفض، ومغاربة تحملوا الكلفة كاملة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار