الميركاتو السياسي المغربي: قبل أن ينتقل الناخب، تتحرك النخبة
انتقالات، تزكيات، أسماء ثقيلة وأحزاب تعيد تشكيل تشكيلتها قبل انتخابات 23 شتنبر: هل نحن أمام تجديد للنخب أم مجرد تبديل للقمصان؟
قبل أن يفتح صندوق الاقتراع أبوابه، فتحت الأحزاب المغربية سوق الانتقالات.
أسماء تتحرك، قيادات تعيد حساباتها، أحزاب تستقطب وجوهاً ذات وزن انتخابي أو رمزي، وأخرى تحاول إعادة ترتيب تشكيلتها قبل أن تبدأ المباراة الرسمية.
في كرة القدم، يسمى ذلك الميركاتو.
وفي السياسة، يسمى أحياناً إعادة تموقع.
لكن الناخب المغربي قد يملك اسماً ثالثاً أكثر بساطة:
«سنرى.»
ففي 23 شتنبر 2026، سيتوجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب، فيما حددت السلطات المختصة الأطر الزمنية المنظمة للاستحقاق، وتواصل المؤسسات المعنية استعداداتها للانتخابات التشريعية المقبلة.
وبذلك، فإن الوقت المتبقي ليس طويلاً.
الأحزاب تعرف ذلك.
المرشحون يعرفون ذلك.
والناخب، الذي يجلس بعيداً عن غرف التفاوض، يعرفه أيضاً.
لكن السؤال الذي يستحق أن يفتح به موسم الانتخابات ليس:
من انتقل إلى أين؟
بل السؤال الأكثر إزعاجاً:
لماذا أصبحت قابلية المرشح للانتقال جزءاً من قيمة الصفقة السياسية؟
1. حين دخلت كرة القدم إلى سوق السياسة
في كرة القدم، يبحث النادي عن لاعب يستطيع أن يسجل.
في السياسة، يبحث الحزب عن مرشح يستطيع أن يفوز.
ومن هنا يصبح التشبيه أكثر من مجرد لعبة لغوية.
فالمشهد السياسي المغربي شهد بالفعل خلال التحضير لاستحقاق 2026 تحركات واستقطابات جعلت تعبير «الميركاتو السياسي» حاضراً في التغطية الإعلامية.
لكن الصحافة الجادة لا ينبغي أن تتوقف عند المصطلح.
فانتقال سياسي من حزب إلى آخر ليس، في حد ذاته، فضيحة ولا دليلاً على الانتهازية.
قد يكون نتيجة خلاف فكري.
وقد يكون نتيجة تحول تنظيمي.
وقد يكون إعادة تموقع انتخابياً.
وقد يكون مزيجاً من هذه العناصر كلها.
لذلك فإن السؤال الصحفي الصحيح ليس:
«هل خان السياسي حزبه؟»
بل:
«ما الذي دفعه إلى الانتقال، وماذا يعني انتقاله بالنسبة إلى الحزب والناخب والمؤسسة التمثيلية؟»
وهنا ينبغي وضع قاعدة تحريرية واضحة:
الانتقال السياسي واقعة، أما تفسير دوافعه ففرضية تحتاج إلى قرائن.
لذلك لا يتعلق الأمر هنا بإصدار أحكام أخلاقية على الأفراد، وإنما بقراءة ظاهرة إعادة التموضع باعتبارها مؤشراً على طبيعة المنافسة الانتخابية المقبلة.
هنا فقط تتحول قصة «الميركاتو» من نكتة انتخابية إلى موضوع سياسي.
2. الصفقة ليست في القميص… بل في القيمة المضافة
من أبرز التحركات التي أثارت الانتباه في 2026 دخول فوزي لقجع إلى المشهد الحزبي عبر حزب الأصالة والمعاصرة. وقد أكدت تغطيات لاحقة ظهوره داخل الحزب وتوجهه نحو خوض الانتخابات التشريعية المقبلة، بعد فترة من التكهنات والنقاش حول مستقبله السياسي.
ولقجع ليس مجرد اسم انتخابي.
إنه شخصية تجمع بين مسؤولية حكومية في مجال الميزانية ورئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ما يمنح حضوره السياسي بعداً يتجاوز الحساب الانتخابي المحلي المباشر.
ولهذا فإن قيمة الصفقة، سياسياً، لا تكمن فقط في السؤال:
كم صوتاً يمكن أن يضيفه؟
بل في سؤال أكثر تعقيداً:
ما نوع الرصيد الذي يدخل به إلى الحزب؟
رصيد تقني؟
رصيد تدبيري؟
رصيد رياضي وشعبي؟
أم قدرة على مخاطبة فئات لا تتفاعل تقليدياً مع الخطاب الحزبي؟
هنا يصبح استقطاب شخصية ما أقرب إلى استثمار في صورة الحزب وهويته المستقبلية منه إلى مجرد إضافة اسم إلى لائحة.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة أساسية:
الاسم الكبير لا يساوي تلقائياً قيمة سياسية كبيرة.
القيمة لا يحددها عدد المتابعين ولا عدد الصور ولا حجم التغطية الإعلامية.
القيمة تظهر عندما يتحول الرصيد الشخصي إلى:
سياسة عامة، وتشريع، ورقابة، ومساءلة، وتمثيل فعلي.
وإلا فنحن أمام نجم في الملصق، لا بالضرورة أمام لاعب مؤثر في الملعب.
والحديث عن إمكانية وصول أي شخصية إلى رئاسة الحكومة بعد الانتخابات يظل تحليلاً سياسياً واحتمالاً مستقبلياً، لا نتيجة انتخابية محسومة.
3. السنتيسي وسؤال الذاكرة السياسية
انتقال إدريس السنتيسي من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال يقدم مثالاً واضحاً على إعادة التموضع السياسي قبيل الانتخابات، وقد أكد السنتيسي نفسه انتقاله إلى الاستقلال، بعد مسار طويل داخل الحركة الشعبية، مع توجهه إلى خوض الاستحقاق من دائرة سلا التي مثلها سابقاً.
لكن الحالة تكشف شيئاً مهماً:
الناخب لا يرى الانتقال كما يراه السياسي.
بالنسبة إلى السياسي، قد يكون الانتقال قراراً تنظيمياً أو سياسياً.
بالنسبة إلى الناخب، قد يكون السؤال أبسط:
«كنتَ هنا بالأمس… فلماذا أصبحتَ هناك اليوم؟»
وهذا السؤال ليس اتهاماً.
إنه جوهر الديمقراطية التمثيلية.
فالسياسي يملك حق تغيير موقعه السياسي.
لكن المواطن يملك حق إعادة تقييم ثقته به.
وهنا تظهر قاعدة لا تحتاج إلى قانون انتخابي:
السياسي يملك حق تغيير القميص؛ والناخب يملك حق تذكر القميص القديم.
4. من يصنع من: الحزب أم المرشح؟
هذه هي القضية التي تستحق أن تكون في قلب انتخابات 2026.
هل الحزب هو الذي يصنع المرشح؟
أم أن المرشح أصبح في بعض الدوائر قادراً على منح الحزب قيمة انتخابية أكبر من القيمة التي يمنحه الحزب إياها؟
الجواب ليس واحداً.
في النظام الانتخابي، يظل الحزب إطاراً أساسياً للترشح والتنظيم والبرنامج والرمز.
لكن في الواقع المحلي، قد تمتلك بعض الشخصيات شبكة علاقات وحضوراً اجتماعياً وقدرة على التعبئة تجعل الحزب راغباً في استقطابها.
وهنا تنشأ معادلة غريبة:
الحزب يمنح القميص. المرشح يجلب الجمهور. والناخب يقرر من يستحق الدخول.
وبهذا المعنى، يصبح «الميركاتو» اختباراً غير مباشر لقوة الأحزاب نفسها.
فالحزب القوي لا ينبغي أن يخاف من استقطاب شخصية ناجحة.
لكن الحزب القوي أيضاً لا ينبغي أن يحتاج دائماً إلى استيراد النجوم.
لأن الحزب الذي لا ينتج قياداته بنفسه قد يربح انتخابات، لكنه يواجه سؤالاً مؤسسياً أصعب: هل يملك القدرة على تجديد نفسه من الداخل؟
5. من «استقطاب الكفاءات» إلى «استيراد المرشحين»
هنا يجب وضع خط فاصل.
استقطاب الكفاءات يمكن أن يكون علامة صحة.
أما استيراد المرشحين فقد يكون علامة على أزمة.
الأول يعني أن الحزب يفتح أبوابه أمام خبرات جديدة.
الثاني يعني أن الحزب يبحث عن أشخاص يملكون القدرة الانتخابية التي لا يستطيع تنظيمه إنتاجها داخلياً.
والفرق بينهما لا يظهر في المؤتمر الصحفي.
يظهر بعد الانتخابات.
إذا دخل الوافد إلى الحزب وشارك في بناء البرنامج وتكوين القيادات وتطوير المؤسسة، فقد يصبح انتقاله قيمة مضافة.
أما إذا انتهى دوره بمجرد انتهاء الحملة، فقد نكون أمام:
إعارة سياسية لمدة تسعين دقيقة.
وهذه ربما تكون أفضل طريقة ساخرة لوصف الفرق بين النجم الانتخابي والقيادي الحزبي.
لكن السؤال الأهم يبقى:
هل الحزب يستقطب الكفاءة لكي يقوي مؤسسته، أم يستقطب الوزن الانتخابي لكي يقوي لائحته؟
الفرق بين الجوابين هو الفرق بين بناء حزب وبناء لائحة.
6. المفارقة الكبرى: الإطار القانوني موجود… لكن الثقة ليست مضمونة
وهنا تدخل الأرقام إلى الملعب.
تقييم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD المنشور في مارس 2026 يمنح المغرب نتيجة لافتة في مجال تمويل الحياة السياسية: 100% من معايير التنظيم و100% من معايير التطبيق العملي وفق مؤشراتها الخاصة بالتمويل السياسي، مقابل متوسط يبلغ 76% للتنظيم و58% للممارسة في دول OECD.
هذه ليست ملاحظة هامشية.
بل ربما هي أهم مفارقة في المقال كله.
فإذا كان الإطار التنظيمي والعملي لتمويل الحياة السياسية يحصل على هذه الدرجة المرتفعة وفق منهجية OECD، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:
«هل توجد قواعد؟»
بل:
«هل تكفي القواعد وحدها لاستعادة الثقة؟»
الجواب ليس بالضرورة.
لأن مشكلة السياسة ليست دائماً في وجود القاعدة.
قد تكون في المسافة بين المؤسسة والمواطن.
وهنا تكمن المفارقة المغربية:
يمكن أن تكون لدينا قواعد انتخابية أكثر تطوراً، بينما تبقى العلاقة النفسية والسياسية بين المواطن والحزب أقل تطوراً بالسرعة نفسها.
ومن ثم، فإن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بعدد القواعد التي تُسن، وإنما أيضاً بقدرتها على جعل المواطن يشعر بأن المنافسة السياسية أكثر عدلاً وشفافية وقابلية للمساءلة.
7. قانون جديد للأحزاب… وميركاتو قديم
وهنا تبرز مفارقة أخرى لا ينبغي أن تمر مرور الكرام.
ففي أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الوزراء مشروع قانون تنظيمي جديد لتعديل واستكمال القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، بهدف تحديث الإطار القانوني للأحزاب، وتعزيز مشاركة النساء والشباب، وتحسين الحكامة، وتأطير التمويل والمحاسبة.
وهذا مهم جداً.
لأن «الميركاتو» لا يجري في فراغ قانوني.
إنه يجري داخل منظومة تحاول في الوقت نفسه تحديث قواعد اللعبة الحزبية.
وبذلك يصبح السؤال أكبر من:
من سيترشح باسم من؟
ليصبح:
أي نوع من الأحزاب يريد القانون والمجتمع أن ينتج في المرحلة المقبلة؟
حزباً يقوم على الأشخاص؟
أم حزباً يقوم على الأفكار؟
حزباً ينتظر موسم الانتخابات؟
أم مؤسسة تعمل بين انتخاب وآخر؟
وهنا يمكن صياغة إحدى أهم قواعد المقال:
المشكلة ليست أن السياسي يغيّر حزبه؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب نفسه قابلاً للتغيير أكثر من برنامجه.
8. الأزمة الحقيقية ليست في صناديق الاقتراع… بل قبل الوصول إليها
الجيل الجديد من الناخبين يمثل تحدياً مهماً للأحزاب، لكن التعامل معه يجب ألا يتحول إلى مجرد شعار انتخابي.
فالمنظومة الانتخابية التي أُعدت لاستحقاق 2026 تضمنت بالفعل آليات مالية لتحفيز الأحزاب على تقديم مرشحين ومرشحات شباب دون 35 سنة، كما رُفع الدعم المرتبط بكل مقعد يفوز به شاب أو مغربي مقيم بالخارج في الدوائر المحلية إلى ستة أضعاف الدعم المخصص للمرشحين الآخرين، مع خفض سن الشباب المستهدفين بهذه الآليات من 40 إلى 35 سنة.
هذه ليست مجرد تعديلات تقنية.
إنها رسالة سياسية.
الدولة تستطيع أن تضع حوافز.
لكن الأحزاب هي التي تقرر ماذا تفعل بهذه الحوافز.
ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الأحزاب هو أن تتعامل مع الشباب باعتباره:
صورة جميلة في آخر اللائحة.
الشاب لا يحتاج فقط إلى مقعد.
يحتاج إلى أن يرى أن رأيه يمكن أن يتحول إلى قرار.
والتجديد الحقيقي ليس أن يصبح المرشح أصغر سناً.
التجديد الحقيقي هو أن يصبح الحزب نفسه أكثر شباباً في طريقة تفكيره.
9. وهنا تظهر مشكلة الثقة
تقرير إقليمي حديث لـKAS، نشر في أغسطس 2026، أظهر أن الثقة في البرلمان بالمغرب بلغت 66%، بينما بلغت الثقة في الأحزاب السياسية 56%. كما أشار التقرير إلى أن الأحزاب تمثل أضعف حلقات الثقة السياسية في عدد من البلدان المشمولة بالدراسة.
الفرق ليس تفصيلاً إحصائياً.
إنه رسالة سياسية.
فإذا كان المواطن أكثر استعداداً للثقة في المؤسسة البرلمانية من ثقته في الأحزاب التي تصنع تركيبتها، فإن السؤال يصبح:
هل المشكلة في البرلمان نفسه، أم في الوسيط الذي يقود المواطن إليه؟
وهنا يصبح «الميركاتو» أكثر أهمية.
لأن كثرة انتقال الشخصيات قد تجذب الإعلام.
لكنها لا تجيب بالضرورة عن سؤال الثقة.
بل قد تزيده تعقيداً:
هل الناخب يصوت للحزب، أم للشخص، أم ضد حزب آخر، أم بحثاً عن بديل؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يشغل الأحزاب أكثر من عدد المؤتمرات الصحفية.
10. الشباب… وامتحان قديم
الدولة تستطيع أن تمنح الشباب حوافز انتخابية.
لكنها لا تستطيع أن تمنحهم تلقائياً الثقة السياسية.
هذه الأخيرة لا تُصدر بمرسوم.
ولا تُدرج في ميزانية.
ولا تُشترى في الميركاتو.
ولهذا تصبح المعادلة بسيطة:
الحزب الذي يبيع للشباب صورة المستقبل، بينما يقدم لهم في الداخل طريقة عمل الماضي، سيخسر المعركة.
أما الحزب الذي يجعل الشباب جزءاً من صناعة القرار، فقد لا يحتاج إلى «ميركاتو» صاخب.
لأن أفضل صفقة انتخابية هي:
أن يصنع الحزب لاعبيه بنفسه.
11. المال: ليس اتهاماً… لكنه سؤال مشروع
رفع الإطار الانتخابي سقف المصاريف الانتخابية للمترشح إلى 600 ألف درهم، مقابل 500 ألف درهم سابقاً، وفق المعطيات المتداولة بشأن الإصلاحات المنظمة للاستحقاق.
لكن الرقم يجب أن يُقرأ بحذر.
ارتفاع السقف القانوني لا يعني أن المرشحين ينفقون بالضرورة الحد الأقصى.
ولا يعني أن المال يحدد وحده نتيجة الانتخابات.
بل يعني شيئاً أبسط:
الحملة الانتخابية لها تكلفة، والدولة تحاول تأطيرها قانونياً.
وهذا مهم لأن النقاش الجاد ليس:
«هل المال موجود؟»
بل:
«هل توجد قواعد تجعل المال قابلاً للتتبع والمساءلة والمنافسة العادلة؟»
وهنا تتقاطع هذه المسألة مع نتيجة OECD التي تشير إلى قوة الإطار المغربي في تنظيم وتمويل الحياة السياسية.
إذن، لا ينبغي تحويل المال إلى فزاعة.
لكن لا ينبغي أيضاً إخراجه من النقاش.
فالشفافية لا تعني افتراض سوء النية.
الشفافية تعني ألا نحتاج إلى افتراض أي شيء.
12. الدولة تدعم الشباب… لكن الأحزاب مطالبة بدعمهم أيضاً
الإصلاحات الانتخابية لا تكتفي بالحديث عن الشباب، بل تضع حوافز مالية وقواعد لتشجيع تمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية.
وهذا مهم.
لكن القانون يستطيع أن يفتح الباب.
ولا يستطيع أن يضمن ما يحدث خلف الباب.
وهنا يقع الدور الحقيقي للأحزاب.
هل سيصبح الشاب عضواً فعلياً في صناعة القرار؟
هل سيشارك في صياغة البرنامج؟
هل سيحصل على فرصة للقيادة؟
هل يستطيع أن يعارض داخل حزبه دون أن يتحول إلى «مشكلة تنظيمية»؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهنا نتحدث عن تجديد للنخب.
أما إذا كانت الإجابة لا، فإن الأمر لا يعدو أن يكون:
تجديداً في الصورة لا في السلطة.
13. الأغلبية تدخل الانتخابات ومعها شيء لا يملكه الوافدون الجدد: الحصيلة
التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال يشكلون مكونات أساسية في الأغلبية الحكومية منذ 2021.
وهذا يمنحهم قوة.
لكنه يمنحهم أيضاً مسؤولية.
فالحزب الحكومي لا يستطيع أن يقول فقط:
«لدينا مرشحون جيدون.»
عليه أن يجيب:
«ماذا فعلنا؟»
المعارضة بدورها لا تستطيع الاكتفاء بقول:
«الحكومة فشلت.»
عليها أن تجيب:
«ماذا سنفعل نحن؟»
أما الناخب، فله السؤال الأسهل والأصعب في الوقت نفسه:
«ومن منكم أقنعني أكثر؟»
وهنا تنتهي لعبة الميركاتو وتبدأ السياسة.
14. المغرب أمام مفارقة أكبر من الانتخابات
تحليل المشهد السياسي المغربي قبيل انتخابات 2026 يجب أن يضع في الاعتبار أن الانتخابات تجري داخل نظام تعددي، فيما تظل المؤسسات الدستورية وتوزيع الاختصاصات محددة بالدستور المغربي.
وهذا يجعل وظيفة الأحزاب أكثر حساسية.
فالحزب لا يحتاج فقط إلى الفوز بالمقاعد.
بل يحتاج إلى إثبات أن وجوده في البرلمان والحكومة يضيف قيمة حقيقية في صناعة السياسات العامة والوساطة بين المجتمع والدولة.
وهنا يصبح السؤال عن «الميركاتو» سؤالاً عن وظيفة الحزب نفسه:
هل الحزب مجرد وسيلة للترشح؟
أم:
مؤسسة سياسية لصناعة الأفكار والقيادات والسياسات؟
الجواب سيحدد ليس فقط انتخابات 2026، بل مستقبل التعددية الحزبية نفسها.
15. «VAR» سياسي… ولكن هذه المرة للناخب
لو امتلكت السياسة المغربية جهاز VAR، لكان استخدامه أكثر إثارة من كرة القدم.
عندما يقول السياسي:
«أنا ابن المنطقة.»
يوقف الحكم الصورة:
أين كنت خلال السنوات الخمس الماضية؟
وعندما يقول الحزب:
«استقطبنا الكفاءة.»
تظهر الإعادة:
كم كفاءة أنتجها الحزب من داخله؟
وعندما يقول المرشح:
«انتقلت من أجل المشروع.»
يأتي الحكم بالسؤال:
ما هو المشروع؟
وعندما يقول الحزب:
«نحن نجدد النخب.»
تأتي اللقطة البطيئة:
هل تغيرت الوجوه فقط… أم تغيرت طريقة صناعة القرار؟
ثم يأتي المشهد الأخير.
الحكم لا يرفع البطاقة الصفراء.
ولا الحمراء.
بل يتركها للناخب.
بطاقة الاقتراع.
16. أخطر انتقال ليس انتقال السياسي… بل انتقال الناخب
كل الأنظار الآن على السياسيين.
لكن ربما يكون التحول الأخطر بعيداً عن الكاميرات.
إنه تحول الناخب من:
الولاء
إلى:
المحاسبة.
من:
«هذا حزبنا.»
إلى:
«ماذا فعل؟»
من:
«هذا مرشحنا.»
إلى:
«ماذا سيقدم؟»
ومن:
«هذا الشخص نعرفه.»
إلى:
«هل يستحق صوتي؟»
إذا حدث هذا التحول على نطاق واسع، فإن الميركاتو كله سيتغير.
لأن الحزب لن يعود قادراً على بيع اسم فقط.
سيحتاج إلى بيع:
حصيلة + برنامج + مصداقية + فريق.
وهذه أصعب صفقة في السياسة.
أخطر انتقال في انتخابات 2026 ليس انتقال السياسي بين الأحزاب، بل انتقال الناخب من الولاء إلى المحاسبة.
17. الحزب الذي يشتري النجوم قد يفوز بالمباراة… لكنه قد يخسر الموسم
في كرة القدم، يمكن لنادٍ أن يشتري أفضل مهاجم في السوق.
قد يفوز.
لكن النادي الكبير لا يعيش على صفقة واحدة.
يحتاج إلى أكاديمية.
إلى مدرب.
إلى تكوين.
إلى استراتيجية.
إلى جيل جديد.
والحزب ليس مختلفاً.
الحزب الذي يريد البقاء لا يمكن أن يعيش على «ميركاتو» دائم.
لأن الانتخابات تنتهي.
أما المؤسسة فتستمر.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل صفقة انتخابية هو:
هل يستعمل الحزب المرشح للفوز بالانتخابات، أم يستعمل الانتخابات لبناء الحزب؟
الأول تكتيك.
الثاني استراتيجية.
والفرق بينهما هو الفرق بين الفوز بمقعد وبناء حزب.
18. الصفقة التي لا تستطيع الأحزاب توقيعها
يمكن للحزب أن يستقطب شخصية.
يمكنه أن يغير رئيس لائحة.
يمكنه أن يغير الشعار.
يمكنه أن يرفع سقف الإنفاق.
يمكنه أن يستثمر في وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن هناك شيئاً واحداً لا يستطيع توقيعه بعقد:
الثقة.
الثقة ليست قابلة للشراء.
ولا تمنحها المؤتمرات.
ولا تنتجها الملصقات.
ولا تنتقل مع السياسي من حزب إلى حزب.
إنها تُبنى ببطء.
وتضيع بسرعة.
ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه أي حزب في موسم 2026 هو أن يعتقد أن المرشح الذي يملك شبكة أصوات يملك بالضرورة شبكة ثقة.
الأولى انتخابية.
الثانية سياسية.
والخلط بينهما قد يكون مكلفاً.
19. الميركاتو الحقيقي سيبدأ بعد إغلاق الميركاتو
المفارقة أن أكثر اللحظات إثارة في موسم الانتقالات قد تكون قبل الانتخابات.
لكن القيمة الحقيقية لكل انتقال لن تظهر إلا بعد 23 شتنبر.
هل سيصبح السياسي المنتقل أكثر تأثيراً؟
هل سيضيف شيئاً للبرنامج؟
هل سيدافع عن الحصيلة؟
هل سيمارس رقابة حقيقية؟
هل سيشارك في التشريع؟
هل سيظل قريباً من دائرته؟
هل سيبقى الحزب الذي استقطبه قادراً على إنتاج قيادات جديدة؟
هذه الأسئلة أهم بكثير من صورة توقيع العقد.
لأن السياسة لا تُقاس بعدد الصور.
تُقاس بما يبقى بعد اختفاء الكاميرات.
في كرة القدم، يمكن للاعب أن يغير القميص.
وفي السياسة، يمكن للنائب أن يغير الحزب.
لكن هناك فرقاً جوهرياً:
النادي يستطيع أن يشتري اللاعب. أما الحزب فلا يستطيع شراء الناخب.
يمكن تغيير اللون.
يمكن تغيير الشعار.
يمكن تغيير اللائحة.
يمكن تغيير التحالفات.
لكن شيئاً واحداً لا يتغير بالسرعة نفسها:
ذاكرة المواطن.
فهو يتذكر من حكم.
ومن عارض.
ومن وعد.
ومن انتقل.
ومن ظهر قبل الانتخابات.
ومن اختفى بعدها.
ومن تحدث عن المواطن.
ومن تحدث إلى المواطن.
وفي 23 شتنبر 2026، لن يكون هناك مدير رياضي يستطيع إقناع الجمهور بصفقة جديدة.
ولن يكون هناك مدرب يمكن تحميله مسؤولية الهزيمة.
ولن يكون هناك حكم يمكن استئناف قراره.
سيكون هناك:
صندوق.
ورقة.
مواطن.
ثم نتيجة.
وهنا ستظهر الحقيقة التي لا يستطيع أي «ميركاتو سياسي» إخفاءها:
يمكن للسياسي أن يغيّر الحزب، لكنه لا يستطيع أن يغيّر الناخب.
ويمكن للحزب أن يستقطب نجماً، لكنه لا يستطيع أن يستقطب الثقة.
ويمكنه أن ينفق الملايين على الحملة، لكنه لا يستطيع شراء لحظة واحدة داخل غرفة الاقتراع.
لذلك فإن الصفقة الأكبر في انتخابات 2026 ليست انتقال لقجع، ولا انتقال السنتيسي، ولا أي اسم آخر.
الصفقة الأكبر هي تلك التي يعقدها الناخب مع نفسه قبل أن يضع ورقته في الصندوق:
هل سأصوت للقميص؟ أم للاسم؟ أم للحزب؟ أم للحصيلة؟ أم للمشروع؟
عندما يجيب الناخب عن هذا السؤال، ينتهي الميركاتو.
وتبدأ الديمقراطية.
فالانتخابات ليست سوقاً لبيع القمصان.
إنها لحظة لتجديد العقد بين المجتمع ومن يتحدث باسمه.
ومن ينسى هذه الحقيقة، قد يربح صفقة اليوم…
لكنه قد يخسر موسم المستقبل كله.
المصادر:
[1] البوابة الرسمية للمملكة المغربية وHACA — المعطيات الرسمية المتعلقة بالانتخابات التشريعية العامة المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026 والإطار الناظم للتعددية السياسية في الإعلام.
[2] Le Desk / Le Brief — معطيات يونيو 2026 حول ترشح فوزي لقجع باسم حزب الأصالة والمعاصرة، مع ضرورة التمييز بين التقارير الأولية والتأكيدات اللاحقة.
[3] Le Monde, 28 juillet 2026 — تحليل موقع فوزي لقجع في المشهد السياسي؛ ويُستخدم هنا كمصدر للتحليل لا لإثبات نتيجة انتخابية مستقبلية.
[4] L’Opinion وLe360، 6 أغسطس 2026 — تأكيد انتقال إدريس السنتيسي من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال وترشحه في سلا.
[5] OECD، Anti-Corruption and Integrity Outlook 2026 — Morocco — المغرب يستوفي 100% من معايير تنظيم التمويل السياسي و100% من معايير الممارسة، مقابل 76% و58% لمتوسط دول OECD.
[6] الأمانة العامة للحكومة المغربية — النصوص والمشاريع المتعلقة بالقانون التنظيمي للأحزاب السياسية، بما فيها مشروع القانون التنظيمي رقم 54.25 المعدل والمتمم للقانون التنظيمي 29.11.
[7] البوابة الرسمية للمملكة المغربية — إصلاحات النظام الانتخابي الخاصة بتعزيز تمثيلية الشباب والنساء، والحوافز المالية للمرشحين دون 35 سنة.
[8] Konrad-Adenauer-Stiftung، Country Report — August 2026 — الثقة في البرلمان المغربي 66% والثقة في الأحزاب السياسية 56%.
[9] البوابة الرسمية للمملكة المغربية — الإطار الرسمي للاستعداد للانتخابات التشريعية ومراجعة اللوائح الانتخابية.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار