أقلام حرة

أزمة عولمة ام أزمة بديل؟قراءة فلسفية!

شهدت العقود الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في الثقة بالفرضيات الكبرى التي أسست لمرحلة الحداثة ، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن العولمة ستقود إلى توزيع عادل للثروة، وأن التقدم العلمي سيعالج المعضلات الإنسانية، وأن الديمقراطية الليبرالية تمثل الإطار الأكثر قدرة على تحقيق الحرية والمساواة، وأن التعليم والإعلام المهنيين سيعززان الوعي العام ويحرّران الفرد من البنى التقليدية. غير أن التجربة التاريخية كشفت عن فجوة واسعة بين هذه الوعود والنتائج الفعلية؛ إذ ازداد تمركز الثروة في يد أقلية صغيرة، وتقلّصت الطبقة الوسطى ، وتنامت الهشاشة الاجتماعية، بينما اضطر عدد كبير من الأفراد إلى العمل المتواصل للحفاظ على الحد الأدنى من المعيشة، في الوقت الذي استأثرت فيه النخب بثمار العولمة.

ومع أنّ نهاية الحرب العالمية الثانية مثّلت لحظة مفصلية في ترسيخ منظومة الحداثة الغربية، عبر تأسيس دولة الرفاه واستتباب الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا الغربية، فإن هذه المرحلة التي استمرت نحو ثمانية عقود بدأت تتعرض لتصدعات عميقة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. فقد أدّت التحولات الاقتصادية، والأزمات المالية ، وصعود الشعبويات، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية والإعلامية، إلى تآكل الأسس التي قامت عليها سردية التقدم ، وإلى بروز تساؤلات جوهرية حول صلاحية النموذج الحداثي ذاته.

ان مفهوم الحداثة وحدوده يبقى اشكالا بذاته وفي ذاته.

من الناحية المفاهيمية، لا تُختزل الحداثة في كونها فترة زمنية محددة، ولا في كونها تعبيرًا عن التقنيات الحديثة وحدها، بل تمثل مشروعًا معرفيًا وثقافيًا انطلق منذ القرن السابع عشر، واستند إلى مركزيّة العقل والعلم باعتبارهما محركين أساسيين لمسار التاريخ. وقد تجسّد هذا المشروع في بنى مؤسسية واضحة: الدولة البيروقراطية، المدرسة الحديثة، القضاء المستقل، الأحزاب السياسية الكبرى ، ووسائل الإعلام الجماهيرية . وارتبطت هذه البنى بوعد تقدمي مفاده أن حركة التاريخ خطية وصاعدة من التخلف إلى المعرفة، ومن اللاعقلانية إلى التنظيم، ومن الحكم المطلق إلى المشاركة الديمقراطية. غير أنّ هذا المشروع واجه مراجعات نقدية عميقة بعد الحربين العالميتين، إذ كشفت تلك الأحداث حدود الإيمان المطلق بالعقلانية الأداتية وقدرتها على تجنيب البشر الكوارث. وكما يشير عالم الاجتماع زيغمونت باومان Zygmunt Bauman، فقد أظهرت الحداثة قدرتها على إنتاج «نظم فعالة»، ولكنها في الوقت ذاته عجزت عن إنتاج «معنى» يقي الإنسان من الاغتراب .

يشير المؤرخ كريستوفر كلارك Christopher Clark في تحليله المنشور بمجلة فورين بوليسي (Foreign Policy) تحت عنوان «نهاية الحداثة» ، إلى أنّ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية شكّلت ذروة تجسد الحداثة الغربية، إذ تميزت أوروبا باستقرار سياسي غير مسبوق، وانتشار نظام الرفاه، وتقوية مؤسسات الدولة، وتعزيز دور الولايات المتحدة بوصفها القوة المهيمنة عالميًا. وخلال مرحلة الحرب الباردة ، وفّر “توازن الردع النووي” نوعًا من الاستقرار الجيوسياسي، رغم الصراع الأيديولوجي الحاد بين المعسكرين الشرقي والغربي.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي ، ساد اعتقاد، عبّر عنه المفكر فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama بأن الديمقراطية الليبرالية تمثل «النموذج النهائي» إلا أن الواقع اللاحق أثبت أن هذا الادعاء كان مبالغًا فيه؛ إذ توسّعت العولمة اقتصاديًا وثقافيًا، لكن نتائجها جاءت متباينة، وبرزت هويات قومية ودينية متنافسة، بينما فشلت التدخلات العسكرية الغربية في البلقان والعراق وأفغانستان في إنتاج استقرار دائم. وفي الداخل الغربي، فقدت الأحزاب التقليدية قاعدتها الاجتماعية، وتعرض الإعلام التقليدي لتحديات حادة من قِبَل الإنترنت ، وانخفض سقف التوقعات الاقتصادية للأجيال الجديدة، وتآكلت الثقة بمفهوم «الصعود الاجتماعي» الذي شكّل أحد أعمدة السردية الحداثية.

ومن هنا، اي منذ عام 2015، باتت تشققات المشروع الحداثي أكثر وضوحًا، مع صعود قادة غير تقليديين مثل دونالد ترامب Donald Trump وجاير بولسونارو Jair Bolsonaro وفيكتور أوربان Viktor Orbán وانتشار الحركات الانعزالية كخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي Brexit، وارتفاع منسوب الشك بالمؤسسات. كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي عبر خوارزمياتها القائمة على التضخيم الانفعالي Algorithmic Amplification في خلق بيئة معرفية مضطربة تُقدَّم فيها الحقيقة بناءً على انتشارها لا على صحتها، فيما يُعرف بمرحلة «ما بعد الحقيقة» . وقد ترافق ذلك مع تحولات جيوسياسية حادة: الحرب في أوكرانيا، الصعود الصيني، النزاعات في الشرق الأوسط،وانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، مما أظهر محدودية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. وكسيناريوهات ممكنة للمستقبل يقترح كلارك أربعة مسارات رئيسية:

-العودة إلى الهويات الضيقة : عبر صعود القومية والدين السياسي، وهي استجابة لتعثر الحداثة الكونية لكنها تُنذر بصراعات هوية.

-نظام عالمي متعدد الأقطاب : نتيجة صعود قوى جديدة، لكنه ما يزال يفتقر إلى رؤية واضحة.

-الخلاص التكنولوجي: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية ، دون معالجة أزمة المعنى.

-العدمية : وهي أخطر السيناريوهات، وتتمثل في غياب أي سردية قادرة على توجيه الفعل البشري.

وكخاتمة، يمكن القول في تقديري، إن الأزمة الراهنة ليست أزمة حداثة فحسب، بل أزمة «غياب بديل»، فالعالم يعيش حالة فراغ سردي بعد تراجع الليبرالية الحداثية وسقوط الشيوعية. وما يزال السؤال المحوري مفتوحًا:

هل يمكن للإنسان المعاصر أن ينتج سردية كبرى جديدة تُعيد توجيه المعنى؟

وربما يُعزى هذا الارتباك ،كما يشير عدد من الباحثين وعلى رأسهم المفكر الروسي دوغين،إلى محدودية الإطار الفكري الغربي ، لا إلى أزمة إنسانية شاملة؛ إذ تمتلك مجتمعات عديدة خارج الغرب منظومات فكرية وثقافية وروحية قد تكون أقدر على تقديم إجابات حول العلاقة بين الفرد والمجتمع والمعنى والعدالة.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار