أقلام حرة

إطلاق طائرة قتالية بدون طيار من قاعدة بحرية سرّية

سلسلة : حروب بلا جبهات: كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل الصراع العالمي

المقال الأول: إطلاق طائرة قتالية بدون طيار من قاعدة بحرية سرّية

الصعود الصامت لحروب المستقبل

في عالم لم تعد فيه الحروب تُعلَن، ولم تعد الجبهات تُرسَم على الخرائط، ولم تعد الضربة الأولى تُسمَع قبل أن تقع، تتحول القوة من استعراض السلاح إلى إتقان الصمت. في هذا السياق، تسعى هذه السلسلة إلى تفكيك ملامح الحرب المقبلة: من الأداة إلى العقل، ومن القرار البشري إلى الخوارزمية، وصولًا إلى أسئلة الردع والمسؤولية والأخلاق.
نبدأ هنا من نقطة التحول الأولى: الأداة ذاتها، حيث يولد الشكل الجديد للصراع.

لحظة تتجاوز الاستعراض التقني

في الأشهر الأخيرة، تداولت منصات التواصل مقاطع مصوّرة تُظهر إطلاق طائرة قتالية بدون طيار من منشأة بحرية غاطسة تحت سطح الماء.
ظاهريًا، قد يبدو المشهد إنجازًا تقنيًا متقدمًا. غير أن القراءة الاستراتيجية تكشف أمرًا أعمق: إعلانًا غير مباشر عن انتقال الحرب إلى فضاء غير مرئي.

هنا، لا يتعلق الأمر بسلاح جديد فقط، بل بكسر صامت لقواعد الاشتباك التقليدية.

من اليابسة إلى الأعماق: تحوّل في منطق القواعد العسكرية

تاريخيًا، شكّلت القواعد البرية والجوية الركيزة الأساسية لإدارة الحروب. ومع تطور أنظمة الاستطلاع الفضائي، أصبحت تلك القواعد مكشوفة نسبيًا، مهما بلغت درجة تحصينها.
لكن اليوم، تغيّر المنطق.

تمنح القواعد البحرية الغاطسة ميزة حاسمة: الاختفاء داخل البيئة الطبيعية للمحيطات. وبهذا، تتحول الأعماق من مجال دفاعي إلى منصة هجومية متقدمة.

علاوة على ذلك، تُمكّن هذه القواعد من إطلاق طائرات غير مأهولة مزودة بأنظمة ملاحة ذاتية، واتصالات مشفّرة، وقدرات ضرب دقيقة. والنتيجة هي اندماج التفوق البحري والجوي في منظومة واحدة يصعب رصدها أو احتواؤها.

الأرقام تتحدث: أين يتجه الاستثمار العسكري؟

تعكس المؤشرات الاقتصادية هذا التحول بوضوح.
فقد بلغ حجم سوق الطائرات العسكرية بدون طيار نحو 14.6 مليار دولار في عام 2023، مع توقعات بتجاوز 30 مليار دولار قبل عام 2032، بمعدل نمو سنوي يقارب 13%.

في الوقت نفسه، يشهد قطاع المركبات غير المأهولة تحت الماء توسعًا متسارعًا، إذ ارتفعت قيمته إلى ما يقارب 3.7 مليارات دولار، مع توقعات بمضاعفته خلال أقل من عقد.

استراتيجيًا، تشير هذه الأرقام إلى انتقال واضح من المنصات الضخمة المكشوفة إلى أنظمة خفية، طويلة البقاء، ومنخفضة البصمة.

سباق القوى الكبرى: مقاربات مختلفة لهدف واحد

الولايات المتحدة

تتبنى الولايات المتحدة نهج الدمج الشامل بين الذكاء الاصطناعي والمنصات غير المأهولة. وتعمل مؤسساتها الدفاعية على تطوير أنظمة قادرة على العمل لفترات طويلة دون تدخل بشري، مع تنفيذ مهام تشمل الاستطلاع، التشويش، والضربات الدقيقة.

الصين

في المقابل، تركز الصين على الكم والانتشار الواسع. وتستثمر بقوة في منصات بحرية غير مأهولة كبيرة الحجم، في إطار سعيها لإعادة تشكيل ميزان القوة في المحيط الهادئ وتقليص التفوق البحري الأمريكي.

روسيا

أما روسيا، فتتبع مسارًا مختلفًا. فهي تربط تطوير المنصات الغاطسة بمفهوم الردع الاستراتيجي، وتراهن على أنظمة ذات قدرات تدميرية عالية لتعويض الفجوات في القوة التقليدية.

قوى صاعدة

إلى جانب ذلك، تظهر قوى أخرى على هذا المسار:

  • أستراليا تطوّر غواصات ذكية طويلة البقاء لتعزيز الردع الإقليمي
  • كوريا الجنوبية تستثمر في منصات أقل كلفة وأكثر مرونة، ضمن شراكات استراتيجية متعددة

ماذا يتغير فعليًا في طبيعة الحرب؟

عندما تنطلق الضربة من عمق البحر، دون حشد قوات أو تحريك أساطيل، يصبح مفهوم الجبهة موضع تساؤل.
وعندما تختفي لحظة الإعلان، تتحول الحرب من حدث واضح إلى عملية جارية في الخلفية.

هنا، لا تعود المعركة مرتبطة بالسيطرة على الأرض فقط، بل بالتحكم في الزمن والمفاجأة واللايقين.

خاتمة تحليلية

يدخل العالم مرحلة تتقدّم فيها الحروب دون ضجيج.
لم يعد التفوق الجوي كافيًا، ولم تعد السيطرة البحرية تُقاس بعدد السفن. اليوم، تُدار القوة من الأعماق، ويُصاغ الردع في الصمت.

إن إطلاق طائرة قتالية بدون طيار من قاعدة بحرية سرّية ليس تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل تحولًا بنيويًا في فلسفة الصراع الدولي.

رأي هيئة التحرير

ما نشهده ليس سباق تسلح تقليديًا، بل سباقًا نحو امتلاك المبادرة الخفية. فالدولة التي تتحكم في الإطلاق الصامت، تتحكم في توقيت الصراع وحدوده وإيقاعه.

غير أن التاريخ يعلّمنا أن كل تفوق غير محكوم بضوابط سياسية وأخلاقية، يتحول سريعًا من عنصر استقرار إلى مصدر فوضى.
وبين صمت الأعماق وتسارع الخوارزميات، يظل السؤال مفتوحًا:
كيف يمكن ضبط حرب لا تُرى قبل أن تخرج عن السيطرة؟

ويمثّل هذا التحول التكنولوجي مدخلًا ضروريًا لفهم المرحلة التالية من الصراع الدولي، حيث لا يُختبر السلاح في حدّ ذاته، بل تُختبر سلطة القرار، وحدود المسؤولية، ومعنى الردع في عصر تتقدم فيه الخوارزمية على الإنسان.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأكثر حساسية: من يتخذ القرار حين تتجاوز سرعة الخوارزمية قدرة الإنسان على التدخل؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار