الرأي والتحليل

الإعلام السمعي البصري في المغرب: بين رسالة التوعية وفوضى المنصات

يواجه الإعلام السمعي البصري المغربي اليوم معادلة صعبة: كيف يمكنه الاضطلاع بدوره في نشر الوعي وتثقيف المجتمع، في زمن تهيمن فيه منصات التواصل الاجتماعي، وتنتشر فيه فيديوهات دون رقابة قد تحمل من الخطاب ما يهدد القيم والوعي
الجماعي ؟

لا شك أن الإعلام السمعي البصري التقليدي، رغم ما يوجه إليه من انتقادات، يظل لعب دور محوريا في نشر ثقافة الوعي بالمغرب، خاصة في مجالات الصحة والتثقيف. فالهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) تنظم لقاءات توصي بمنع الوصفات الطبية في البرامج، وتؤكد على دور الإعلام في نشر الوعي الصحي وتجنيب المواطن مخاطر الممارسات السيئة . كما تشير لطيفة أخرباش، رئيسة الهيئة، إلى أن وسائل الإعلام، وخاصة العمومية، تبقى أساسية للصحة الديمقراطية وتنشيط النقاش العمومي وتقوية التماسك الاجتماعي ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: هل هذا الدور التقليدي كافٍ في مواجهة زحف المنصات الرقمية؟

يمثل التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات التحدي الأكبر لقطاع الإعلام في الدول العربية . فوسائل الإعلام التقليدية، حسب تصريحات المسؤولين، لم تعد تشكل سوى جزء من الموارد السمعية البصرية المتاحة؛ فالجمهور أصبح منتجا ومستهلكا في آن واحد، والمنافسة مع عمالقة المنصات الرقمية تتطلب تجديدا تحريريا، لا مجرد تأهيل تكنولوجي .

والأخطر من ذلك، أن غياب الرقابة على محتوى منصات التواصل جعلها أرضا خصبة لانتشار فيديوهات تحمل رسائل خطيرة. فقد كشفت تقارير أن شائعات متداولة عبر “إنستغرام” دفعت آلاف الشباب إلى محاولات هجرة غير نظامية خطيرة نحو سبتة، بعدما روّجت مقاطع فيديو لأوهام سهولة العبور . وفي مواجهة ذلك، أطلقت حملات رقابية مغربية كالوسم #ماتكيدش لتحذير الشباب من وعود الهجرة الزائفة .

والأكثر إيلاما، ما كشفته قضية “آدم بنشقرون” والمؤثر “مولينكس” من استغلال جنسي للقاصرين عبر منصات مثل تيك توك وسناب شات. هذه الجرائم لم تعد تقع في الأزقة الخلفية، بل في شاشات أكثر من نصف سكان المملكة، مستغلة وعود الشهرة والمال السريع لاستدراج الشباب .

إن الإعلام السمعي البصري في المغرب، مدعو للخروج من دائرة “التأهيل التقني” إلى “التجديد التحريري” الحقيقي . وهو مطالب باستثمار نقاط قوته، كجودة المحتوى، ومصداقية الأخبار، وتنوع الثقافة، ليصبح بديلا مقنعا عن المضامين المنمطة في المنصات الرقمية.

لكن هذه المهمة تتطلب تعزيز استقلالية الهيئات التنظيمية، وتفعيل آليات الرقابة على المحتوى الرقمي، والاستثمار في التربية الإعلامية الرقمية للأجيال الصاعدة. فغدا، كما يقول الخبراء، لن يكون الأمن مقتصرا على تأمين الأزقة، بل يتطلب تأمين كل شاشة وكل تدفق رقمي .

إن تحديات العصر الرقمي لا تعني أبدا تقليص دور الإعلام السمعي البصري، بل إعادة تعريفه وتوسيعه، ليكون رافعة للوعي، وحصنا في وجه الفوضى، وشريكا فاعلا في بناء مجتمع متماسك وواع.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار