سياسة

الرباط وباريس على أبواب مرحلة تاريخية جديدة وهذه هي المفاجأة

تعيش الأوساط السياسية والدبلوماسية الفرنسية والمغربية على وقع ترقب كبير لزيارة الدولة المرتقبة التي سيقوم بها جلالة الملك محمد السادس إلى العاصمة الفرنسية باريس خلال الأسابيع القليلة المقبلة، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية عميقة، وتؤشر على دخول العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة جديدة عنوانها المصالح المشتركة والشراكة الاستثنائية.

الزيارة، التي حظيت باهتمام واسع داخل وسائل الإعلام الفرنسية، ليست مجرد محطة بروتوكولية عادية، بل تُنظر إليها باعتبارها تحولاً مفصلياً في مسار العلاقات بين الرباط وباريس بعد سنوات من الفتور والتذبذب السياسي والدبلوماسي. فقد سارعت الصحف الفرنسية، وعلى رأسها “لوموند”، إلى تسليط الضوء على أهمية هذه الزيارة التي تأتي في ظرف دولي وإقليمي بالغ الحساسية، حيث تسعى فرنسا إلى إعادة ترتيب حضورها الاستراتيجي في إفريقيا، بينما يواصل المغرب تعزيز موقعه كقوة إقليمية صاعدة وشريك موثوق على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.

إعلان وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، عن الزيارة الملكية خلال لقائه بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بالرباط، لم يكن تفصيلاً عادياً، بل رسالة سياسية واضحة تعكس رغبة باريس في فتح صفحة جديدة أكثر وضوحاً وواقعية مع المملكة المغربية، خاصة بعد الاعتراف الفرنسي المتزايد بمركزية قضية الصحراء المغربية داخل أي شراكة مستقبلية بين البلدين.

وتشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط الدبلوماسية الفرنسية إلى أن التحضير لهذه الزيارة يجري منذ أشهر طويلة، بعدما كان الملك محمد السادس قد قبل دعوة رسمية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائهما بالرباط سنة 2024. غير أن الزيارة تأجلت أكثر من مرة لأسباب مرتبطة بحسابات سياسية وظروف دولية، قبل أن تعود اليوم إلى الواجهة بقوة، في سياق مختلف تماماً عن السنوات الماضية.

اللافت في هذه الزيارة المرتقبة أنها قد تُتوَّج بتوقيع معاهدة استراتيجية غير مسبوقة بين الرباط وباريس، يُرتقب أن تؤسس لعصر جديد من التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد، والدفاع، والطاقة، والاستثمارات، والثقافة، والرقمنة، إضافة إلى التنسيق الأمني والدبلوماسي في القضايا الإقليمية والدولية.

وتؤكد مصادر مطلعة أن الصحراء المغربية ستكون حاضرة بقوة في صلب هذه المعاهدة، ليس فقط من خلال المواقف السياسية الفرنسية الداعمة لمخطط الحكم الذاتي، بل أيضاً عبر مشاريع استثمارية وتنموية ضخمة يُنتظر أن تشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة، في ترجمة عملية للموقف الفرنسي الجديد تجاه القضية الوطنية.

فرنسا، التي ظلت لعقود أحد أبرز الحلفاء التقليديين للمغرب، تبدو اليوم أكثر اقتناعاً بأن الرباط أصبحت رقماً أساسياً في معادلة الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها منطقة الساحل وإفريقيا والمتوسط. وهو ما عبّر عنه الوزير الفرنسي جان نويل بارو بشكل واضح عندما أكد أن الشراكة المغربية الفرنسية أصبحت أداة قوية لمواجهة التقلبات الدولية وإنتاج حلول عملية وفعالة.

كما شدد المسؤول الفرنسي على أن المغرب لم يعد فقط شريكاً اقتصادياً أساسياً لفرنسا في إفريقيا، بل تحول إلى منصة استراتيجية ولوجستية وطاقية ومالية ذات أهمية كبرى، ما يجعل التعاون بين البلدين يتجاوز الطابع التقليدي للعلاقات الثنائية نحو بناء تحالف استراتيجي طويل الأمد.

وفي هذا السياق، تسعى باريس والرباط إلى توسيع مجالات التعاون نحو قطاعات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، والتحول الطاقي، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، إلى جانب العمل المشترك داخل القارة الإفريقية، حيث يراهن البلدان على بناء نموذج شراكة متوازن يخدم التنمية والاستقرار.

كما تحمل الزيارة المرتقبة أبعاداً رمزية قوية، خاصة وأنها ستكون ثاني زيارة دولة يقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا منذ اعتلائه العرش، بعد الزيارة التاريخية التي تمت خلال فترة الرئيس الراحل جاك شيراك، الذي جمعته علاقة خاصة بالمغرب وبالعاهل المغربي.

ويبدو واضحاً أن باريس اليوم تعيد تموقعها تجاه الرباط بمنطق جديد، يقوم على الاعتراف بالمكانة الإقليمية والدولية المتصاعدة للمغرب، وبالدور المحوري الذي يلعبه في ملفات الهجرة والأمن ومحاربة الإرهاب والطاقة والاستثمار الإفريقي.

ومع اقتراب موعد الزيارة الملكية، تبدو كل المؤشرات متجهة نحو ميلاد مرحلة دبلوماسية جديدة بين المغرب وفرنسا، مرحلة لن تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات الاقتصادية أو الصور البروتوكولية، بل بقدرة البلدين على بناء شراكة استراتيجية حقيقية تُترجم المصالح المشتركة إلى مشاريع ملموسة، وتمنح للعلاقات المغربية الفرنسية نفساً جديداً يليق بتاريخ البلدين وتحولات العالم.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار