الشباب المغربي وسوق الشغل: جيل متعلم… خارج اللعبة؟
في المغرب اليوم، لم يعد السؤال: هل يدرس الشباب؟
بل أصبح، بشكل أكثر إلحاحًا: لماذا لا يجد من يدرس عملاً؟
ففي الوقت الذي رفعت فيه الدولة نسب التمدرس والتكوين الجامعي خلال العقدين الأخيرين، اتسعت، في المقابل، الهوة بين الشهادة وسوق الشغل، إلى درجة تحوّل معها التعليم، بالنسبة لآلاف الشباب، من وسيلة للترقي الاجتماعي إلى مسار طويل ينتهي غالبًا بالانتظار.
لم تعد بطالة الشباب في المغرب مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل أصبحت، في العمق، علامة واضحة على اختلال بنيوي يمس العلاقة بين التعليم، والنمو الاقتصادي، وقدرة السوق على استيعاب الكفاءات.
وفي هذا السياق، تؤكد معطيات Haut-Commissariat au Plan أن معدل بطالة الشباب بين 15 و24 سنة تجاوز 35% خلال سنة 2024، بينما ارتفع المعدل بشكل أكبر داخل المدن.
وفي المقابل، تشير بيانات المؤسسة نفسها إلى أن بطالة حاملي الشهادات العليا تظل أعلى من المعدل الوطني، وهو ما يكشف مفارقة صادمة:
كلما ارتفع مستوى التعليم… تعقّد الولوج إلى العمل.
1. الأرقام التي تكشف الأزمة
بدايةً، المعطيات الأساسية ترسم صورة مقلقة:
- بطالة الشباب الحضري تتجاوز 39%
- أكثر من ربع الشباب يوجدون خارج التعليم والتكوين والعمل
- خريجو الجامعات يسجلون أعلى نسب البطالة
- الفوارق المجالية تكرّس عدم المساواة بين المدن والقرى
ووفق World Bank، فإن المغرب يواجه واحدة من أعقد أزمات إدماج الشباب في منطقة شمال إفريقيا.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر بندرة فرص فقط،
بل، في الواقع، بعدم توافق عميق بين:
- مخرجات التعليم
- ومتطلبات الاقتصاد الحقيقي
من قلب الواقع | البعد الإنساني
في فأس، يقول “حمزة”، 27 سنة، حاصل على إجازة في الاقتصاد:
“درست خمس سنوات، ثم اكتشفت أن السوق يطلب الخبرة أكثر مما يطلب الشهادة.”
أما “إيمان”، 24 سنة من طنجة، فقد أرسلت عشرات طلبات العمل دون نتيجة:
“كل إعلان يطلب تجربة مهنية… لكن من يمنحنا الفرصة الأولى أصلًا؟”
وهكذا، تتحول الشهادة تدريجيًا من أداة للاندماج إلى مصدر متزايد للإحباط وفقدان الثقة.
2. ماذا يقول الخبراء؟
يرى شكيب بنموسى أن:
“إصلاح التعليم يجب أن يرتبط بشكل مباشر بحاجيات سوق الشغل.”
ومن زاوية أخرى، يؤكد الخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي:
“المشكل الحقيقي لا يكمن في الشباب، بل في نموذج اقتصادي لا ينتج ما يكفي من فرص الشغل المؤهلة.”
أما Kristalina Georgieva فقد صرحت سابقًا بأن:
“الاستثمار في الشباب ليس سياسة اجتماعية فقط، بل شرط للنمو والاستقرار.”
وبناءً على ذلك، تبدو الأزمة في المغرب هيكلية أكثر منها ظرفية.
3. المغرب وأوروبا: أين يكمن الفرق؟
على الصعيد الأوروبي، تواجه دول مثل إسبانيا وإيطاليا معدلات بطالة شبابية مرتفعة نسبيًا، غير أن الفارق الجوهري يتمثل في طبيعة الانتقال من الدراسة إلى العمل.
فوفق معطيات Eurostat لسنة 2024:
- بلغت بطالة الشباب في إسبانيا حوالي 26.5%
- بينما سجلت إيطاليا نحو 20.1%
- في المقابل، انخفضت في ألمانيا إلى حوالي 6% فقط
- أما فرنسا فسجلت قرابة 17% بين الشباب أقل من 25 سنة
غير أن الفارق الحقيقي لا يكمن فقط في الأرقام، بل في قدرة الاقتصاد الأوروبي على خلق مسارات انتقال تدريجية بين الدراسة والعمل.
ففي ألمانيا مثلًا، يعتمد الاقتصاد على:
- التكوين المهني المزدوج
- التدريب داخل الشركات
- الربط المباشر بين المقاولة والتعليم
وفي المقابل، لا يزال هذا الربط محدودًا في المغرب، رغم تعدد الاستراتيجيات الحكومية.
كما تشير Organisation for Economic Co-operation and Development إلى أن الدول التي تنجح في إدماج الشباب تستثمر بقوة في:
- التكوين التطبيقي
- المقاولة الشبابية
- التوجيه المهني المبكر
وبالتالي، لا يكمن الفرق فقط في حجم الاقتصاد، بل في طريقة إعداد الشباب للاندماج فيه.
والأهم من ذلك أن دولًا أوروبية مثل ألمانيا وهولندا نجحت في تقليص بطالة الشباب عبر جعل المقاولة جزءًا من عملية التكوين نفسها، بينما لا يزال الطالب المغربي، في كثير من الأحيان، يكتشف متطلبات السوق بعد التخرج، لا أثناء الدراسة.
ومن ثم، يتحول الفارق بين المغرب وأوروبا من فارق اقتصادي فقط… إلى فارق في فلسفة إعداد الشباب للمستقبل.
4. مفارقة الشهادة
من ناحية، يشجع المجتمع المغربي على التعليم باعتباره طريقًا للصعود الاجتماعي.
لكن، في المقابل، لا يكافئ السوق هذا الاستثمار بالشكل الكافي.
ومن ثم، يظهر ما يمكن تسميته:
“تضخم الشهادات مقابل ندرة الفرص”
فعدد الخريجين يرتفع سنويًا، بينما يظل الاقتصاد عاجزًا عن خلق فرص مؤهلة تستوعبهم.
5. التداعيات: ما الذي يتغير فعليًا؟
أولًا، اجتماعيًا:
- تأخر سن الزواج
- ارتفاع الشعور بالإحباط
- تراجع الثقة في المستقبل
ثانيًا، اقتصاديًا:
- هدر في الرأسمال البشري
- ضعف الإنتاجية
- تباطؤ الحركية الاجتماعية
ثالثًا، استراتيجيًا:
- تصاعد الرغبة في الهجرة
- نزيف الكفاءات
- ضغط متزايد على الدولة
وعليه، تتحول البطالة من أزمة تشغيل إلى تحدٍ مجتمعي شامل.
6. التحذير الصامت
في الواقع، استمرار هذا الوضع لا يهدد الاقتصاد فقط، بل قد يؤثر أيضًا على التوازن الاجتماعي والسياسي.
فجيل يشعر بأن التعليم لا يغيّر مصيره، قد يفقد تدريجيًا ثقته في:
- المؤسسات
- السياسات العمومية
- فكرة الصعود الاجتماعي نفسها
ولذلك، يصبح الإصلاح ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار اقتصادي.
لكن السؤال الأهم ليس:
لماذا لا يجد الشباب عملاً؟
بل:
لماذا لا ينتج الاقتصاد ما يكفي من العمل أصلًا؟
ففي العمق، الاقتصاد الذي يعجز عن خلق فرص مؤهلة، سيحوّل حتى أفضل الجامعات إلى فضاءات لإنتاج الانتظار.
في المحصلة، أزمة الشباب وسوق الشغل في المغرب ليست أزمة بطالة فقط،
بل، في الواقع، أزمة نموذج تنموي كامل.
نحن أمام ثلاث حقائق كبرى:
- التعليم لم يعد يضمن الشغل
- السوق لا يستوعب الكفاءات بالوتيرة المطلوبة
- الشباب يدفع ثمن الفجوة بين الطموح والواقع
في المغرب، لم يعد الخطر أن يترك الشباب الدراسة… بل أن يُكملها ثم يكتشف أن الاقتصاد لا ينتظره.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار