صحة

العمليات القيصرية.. استنزاف لصحة النساء وموارد الضمان الاجتماعي



يثير تنامي اللجوء إلى الولادات القيصرية في عدد من المصحات الخاصة بالمغرب أسئلة جدية حول حدود الممارسة الطبية، وحول ما إذا كانت بعض هذه العمليات تُجرى لاعتبارات صحية ضرورية، أم أن الاعتبارات الاقتصادية أصبحت حاضرة في بعض الحالات على حساب صحة النساء وموارد منظومة الحماية الاجتماعية.

فالولادة القيصرية، باعتبارها تدخلاً جراحياً، تظل إجراءً طبياً مهماً عندما تفرضه حالة الأم أو الجنين، لكنها ليست بديلاً عادياً للولادة الطبيعية، ولا ينبغي أن تتحول إلى خيار روتيني خارج الضرورة الطبية. فالإفراط فيها قد يعرّض النساء لمضاعفات مرتبطة بالعمليات الجراحية والتخدير والنزيف والالتهابات، فضلاً عن تبعات محتملة على الأحمال والولادات اللاحقة.

وفي المقابل، تتحمل منظومة التأمين الصحي جزءاً من كلفة هذه العمليات، ما يجعل ارتفاع معدلات القيصريات في القطاع الخاص قضية تتجاوز العلاقة بين الطبيبة أو الطبيب والمريضة، لتصبح أيضاً قضية مرتبطة بحكامة الإنفاق الصحي وحماية أموال المؤمنين.

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل تملك الجهات الوصية آليات فعالة لمراقبة معدلات الولادات القيصرية داخل المصحات الخاصة، وربطها بالمعايير الطبية المعتمدة، والتأكد من أن القرار الجراحي يستند إلى ضرورة صحية واضحة؟

المطلوب ليس محاربة القيصرية، ولا التشكيك في الأطر الطبية التي تلجأ إليها عندما تكون ضرورية، وإنما وضع حد لأي ممارسة تجعل التدخل الجراحي خياراً سهلاً عندما لا تكون هناك حاجة طبية حقيقية إليه.

وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى وضعية صناديق الحماية الاجتماعية والضغط المتزايد على مواردها. فقد سبق أن أثارت دراسات اكتوارية تحذيرات بشأن مستقبل التوازن المالي للصندوق، في حال عدم تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة. وإذا كانت التقديرات السابقة قد تحدثت عن آفاق زمنية بعيدة نسبياً، فإن الحديث اليوم عن تزايد الضغوط المالية يفرض التعامل مع الملف بجدية أكبر، بدل تأجيل الإصلاحات إلى أن يصبح هامش المناورة أضيق.

وبالتالي، فإن حماية أموال الضمان الاجتماعي لا تعني فقط البحث عن موارد إضافية، وإنما أيضاً وقف كل أشكال الإنفاق غير الضروري، وتحسين آليات المراقبة والتدقيق، وربط التعويضات بالخدمات الطبية المستحقة فعلاً وفق المعايير الصحية.

أما تحويل صحة النساء إلى مجال لتحقيق أرباح إضافية، إن ثبت في حالات معينة، فهو أمر يستوجب الحزم والرقابة والمساءلة، لأن المريضة ليست مجرد “زبونة”، وصندوق الضمان الاجتماعي ليس خزينة مفتوحة أمام منطق الربح.

المغرب اليوم في حاجة إلى سياسة صحية تضع صحة المواطن أولاً، والمال العام ثانياً، والربح الخاص في مكانه الطبيعي.

وإذا كانت الحكومة ترفع شعار “حكومة الكفاءات”، فإن ملف المصحات الخاصة والولادات القيصرية يمثل أحد الاختبارات الحقيقية لهذه الكفاءة: هل ستُفرض رقابة فعلية على الممارسات الطبية والمالية، أم ستظل صحة النساء وموارد صناديق الحماية الاجتماعية مجالاً مفتوحاً للاختلالات؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار