أقلام حرة

القرار الأممي 2797:  ماذا يعني فعليًا لمسار قضية الصحراء المغربية؟

 

منذ سنوات وأنا أقرأ وأتابع ما يُكتب حول نزاع الصحراء، وأعترف بأن قليلًا جدًا من التحليلات استطاع أن يلتقط كيف تغيّر المزاج الدولي فعليًا. ربما لأن الملف نفسه تعرّض ولمدة طويلة لنوع من القراءة “الآلية”: المغرب مقابل البوليساريو، دون محاولة فهم الطبقات العميقة التي صنعت هذا الامتداد الزمني الغريب. لكن القرار الأممي الأخير (2797)، ورغم أنه يبدو للوهلة الأولى امتدادًا للغة السابقة، إلا أنه يحمل إشارة حقيقية على تغيّر في طريقة قراءة الأمم المتحدة للنزاع.

ليس الأمر مجرد كلمات منمّقة. الجديد هذه المرة أن القرار يربط الحل -بوضوح لم يكن حاضرًا بهذا الشكل في السابق-بالسيادة المغربية. صحيح أنه ورد في مقدمة القرار وليس في فقراته التنفيذية، لكن من يعرفون آليات الأمم المتحدة يدركون أن ديباجة القرارات ليست مجرد افتتاحية، بل “الذاكرة القانونية” التي يستند عليها المبعوثون واللجان وفرق التفاوض لاحقًا. ولأول مرة، لا يُطرح الحكم الذاتي المغربي كخيار ضمن خيارات، بل كـ“الإطار الواقعي والوحيد القابل للتطبيق” وهي الصيغة التي تبنتها واشنطن وباريس ومدريد في السنوات الأخيرة.

ولكي نكون صريحين، هذا التحول لم يأت من فراغ. كثير من الباحثين في النزاع ،من Jacob Mundy إلى يحيى زبير ، يؤكدون أن أطراف النزاع الحقيقية ليست كما تعكسها البلاغات الرسمية. فبوليساريو، رغم حضورها كفاعل في ادامة الصراع، تظل حركة تعتمد كليًا على الدعم العسكري والمالي الجزائري. الأكاديميات العسكرية في الجزائر هي التي تخرّج كوادرها، وتندوف ليست مخيمًا مفتوحًا تحت إشراف المفوضية بل منطقة معزولة يصعب على أي جهة دولية دخولها دون ترتيبات خاصة. ومع مرور الزمن، أصبح الأمر واضحًا: الحديث عن نزاع “مغربي–صحراوي” لم يكن دقيقًا. إنه، في جوهره، نزاع مغربي–جزائري بصيغة غير مباشرة.

هذا التوصيف الجديد يفسّر لماذا بدأ المجتمع الدولي يميل نحو حل واقعي داخل السيادة المغربية. العالم تغيّر: لا أحد يريد صراعًا مفتوحًا قرب مناطق الطاقة، ولا أحد مستعد لحالة انفصال جديدة في منطقة مضطربة أصلًا. ثم إن فكرة “الاستفتاء” نفسها أصبحت غير قابلة للتطبيق. حتى جيمس بيكر، المبعوث السابق، قال قبل سنوات إن هذا الخيار بُني على فرضيات سقطت منطقياً.

أما من الناحية الإنسانية، فالوضع في مخيمات تندوف أكثر تعقيدًا مما يبدو. المفوضية السامية للاجئين لم تنجح منذ 1975 في إجراء إحصاء كامل للساكنة، وهو أمر مخالف للمادة 35 من اتفاقية 1951 التي تلزم الدول المضيفة بالتعاون. غياب الإحصاء ليس تفصيلاً إدارياً؛ إنه يفتح بابًا لخلل في المساعدات ويُبقي سكان المخيمات في وضع قانوني رمادي لا هو لجوء كامل ولا هو إقامة قانونية واضحة. تقارير الاتحاد الأوروبي، مثل تقرير OLAF سنة 2015، كانت صريحة في الإشارة إلى سوء تدبير المساعدات الموجهة للمخيمات.

في النهاية، القرار الأممي 2797 لا يقدّم حلاً سحريًا، لكنه يرسم الاتجاه لأول مرة بطريقة لا لبس فيها: الحل سيكون داخل السيادة المغربية، عبر صيغة حكم ذاتي واسعة تُرضي جميع الأطراف. والأهم أنه يضع الجزائر -بشكل ضمني لكنه واضح- داخل دائرة المسؤولية المباشرة عن المسار السياسي. قد لا يكون هذا نهاية النزاع، لكنه بالتأكيد نهاية مرحلة وبداية أخرى

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار