القفطان المغربي في اليونسكو: هوس الهوية وانزياحات الذاكرة المجزأة!
معركة القفطان المغربي التي دارت أطواره في اليونسكو هذا الأسبوع من دجنبر 2025 لم تكن مجرد خلاف تقني حول ملف تراثي. كانت مواجهة تكشف أزمة أعمق، أزمة الهوية، حيث يصبح القفطان أكثر من لباس… إنه مرآة لماضٍ وحاضر لسؤال الهوية ذاته.
فالقفطان، في جوهره، ليس قطعة قماش مزخرفة، بل خلاصة ذاكرة تاريخية متصلة، وحين يُنتزع من سياقه ويُدفع به إلى ساحة التجاذب السياسي، يصبح مرآة لقلق حضاري لم يُحسم بعد.
جلسات لجنة التراث الثقافي غير المادي في نيودلهي لم تكن مجرد صراع بين دولتين، بل صراع بين تاريخ مستمر حافظ على جذوره عبر القرون، من الأسرة المرابطية إلى حدود الأسرة العلوية الحاكمة حاليا في المغرب، وذاكرة ممزقة، مجزأة، متأثرة بالانقطاعات الاستعمارية والسياسية التي ألمّت بها( الجزائر). عالم الاجتماع موريس هالبواكس كان واضحًا حين ربط الهوية بالذاكرة الجماعية المستمرة، حيث يؤكد أن الهوية تُبنى عبر ذاكرة جماعية مستمرة. ما عاشته الجزائر هو سلسلة من “الكسر التاريخي” الذي أدى إلى “ذاكرة مجزأة”. بينما استفاد المغرب من “نقل الذاكرة” عبر الأجيال دون انقطاع حاد. هنا يمكن الاستشهاد بمقولة للمفكر عبد الله العروي في كتابه “مفهوم الإيديولوجيا”: “الوعي التاريخي هو وعي بالاستمرارية، وبغياب هذه الاستمرارية يتحول الوعي إلى نزعات دفاعية وهجومية.” وهذا بالضبط ما يفسر “النزعة الهجومية الدفاعية” في تبني رموز الآخر. فحين تنقطع هذه الذاكرة، تبحث الجماعة عن بدائل رمزية لتعويض الفراغ. في هذا السياق، يصبح التنازع حول القفطان مفهومًا بوصفه انعكاسًا لقلق أعمق، لا خلافًا ثقافيًا بريئًا.
في المغرب، القفطان ليس مجرد رمز تراثي، بل جزء من حياة الناس اليومية، توارثته الأجيال داخل نفس المجال الثقافي من فاس إلى تطوان، ومن مراكش إلى الرباط. هو لباس تتنفسه الأجيال، وتحيط به الذاكرة الجمعية، حاضرة في كل نسج وكل تفصيلة. أما حين يُطرح بوصفه “تراثًا مشتركًا” خارج هذا الامتداد التاريخي الموثق، فإن الأمر لا يعكس تقاطعًا ثقافيًا بريئًا بقدر ما يعكس بحثًا قلقًا عن تثبيت هوية عبر رموز الغير. فالهوية التي لا تُبنى من الداخل تميل إلى تعريف نفسها عبر الصراع، لا عبر الفعل الحضاري. وهو ما نبّه إليه مالك بن نبي نفسه حين فرّق بين الاستقلال السياسي والتحرر الحضاري( القابلية للاستعمار)، مؤكدًا أن الأزمة ليست في نقص التاريخ، بل في العجز عن تحويله إلى طاقة لبناء الحاضر وبشكل مسترسل.
إن محاولة استعارة رمز كالقفطان المغربي قد تكون مظهرًا من مظاهر “رد الفعل” وليس “الفعل الحضاري”.
من هنا، لا يمكن فصل الجدل حول القفطان المغربي وباقي رموزه الثقافية عن السياق السياسي الأوسع: سؤال الهوية عند المجتمع الجزائري. فالهوية، كما يرى إدوارد سعيد، هي سردية تُروى، وحين تحتكر السلطة روايتها، تتحول إلى خطاب أحادي يقوم على استدعاء العدو الخارجي لتعويض فراغ داخلي. منذ الاستقلال، احتكر النظام الجزائري رواية الهوية، محاولًا رسم صورة أحادية عن الثورة والمظلومية والعداء للمغرب، أيًّا كان السبب. وعندما تبدأ هذه السردية بالانهيار، يصبح القفطان المغربي مجرد هدف رمزي لتغذية خطاب داخلي هش. المفكر فرانتز فانون، الذي أثر كثيرًا في النخب الجزائرية، حذر من ذلك بقوله: “الخطورة أن تتحول الوطنية بعد التحرير إلى وعاء فارغ، يملؤه القادة بشعارات لصرف الأنظار عن الفراغ الداخلي.” وهنا يمكن استحضار كذلك مفهوم “الحنين” (Nostalgia) لاستبيان الحالة الجزائرية في تعاطيها مع الموروث المغربي، الحنين إلى الأصل المتخيل بمفهومه الفلسفي، وليس العاطفي فقط. المؤرخ الإسباني أنطونيو دومينغيز أورتيز في حديثه عن الموريسكيين، وصف حالتهم بأنها “حنين إلى وطن لم يعد موجودًا”. قد ينطبق هذا على حالة جزائرية تبحث عن هوية في رموز “أندلسية” أو “مغاربية مشتركة” كتعويض عن وطن تاريخي مُتخيَّل غير موجود بسبب تعاقب الانقطاعات التاريخية حيث كانت الجزائر عبر قرون من الزمن مفعولا بها حضاريا. هنا يمكن الاستشهاد بالأديب الجزائري الطاهر وطار الذي لمس هذه الجرحة في روايته “اللاز”، حيث يقول على لسان أحد شخصياته: “نحن شعب يبحث عن ظله في مرايا الآخرين”. الحالة الجزائرية تشبه إلى حد كبير عقدة نفسية جماعية: الحاجة المستمرة إلى عدو خارجي سواء كان فرنسا سابقًا أو المغرب اليوم لتحديد الذات. الانشغال بما يمتلكه الجار، من اللباس إلى الموسيقى مرورا بالأكل وباقي الرموز التراثية، يعكس فراغًا داخليًا لا يُملأ إلا بالصراع الرمزي. وقد عبر الأديب الجزائري كاتب ياسين عن هذا التناقض بقوله: “أنا أقف على حدود بلادي، أتطلع إلى الداخل فلا أرى سوى ظلي، أتطلع إلى الخارج فأرى كل شيء.”.
ما حدث مع القفطان المغربي هو نموذج صارخ لما يسميه علماء الاجتماع “تراثولوجيا الصراع”: تحويل الرموز الثقافية إلى حقل معركة سياسي. القفطان المغربي لم يُحتفى به حبًا في التراث، بل ليصبح رأس مال رمزي يُستغل لإعادة تلميع صورة هوية جزائرية هشة وفق تعبير بيير بورديو، تصارع الفراغ الداخلي، وتعوض نقص التواجد الحضاري عبر التاريخ بالصراع الرمزي.
في النهاية، الهويات لا تُبنى بالصراع على التراث، ولا تُحصّن الذاكرة بالسطو على رموز الآخرين. الهوية الحقيقية تُنتج من الداخل، عبر مصالحة صادقة مع التاريخ، لا عبر البحث عنه في خزائن الجيران. القفطان المغربي، الذي حُسم أمره في اليونسكو، يظل شاهدًا على حقيقة أعمق: الذاكرة الحية أقوى من الذاكرة المجزأة، والتراث لا يُستعار، بل يُعاش.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار