المرأة والعمل الحزبي في المغرب: رهان الإصلاح الديمقراطي وآفاق التمكين
يشهد المغرب تحوّلات عميقة في بنيته السياسية والاجتماعية، جعلت من قضايا المرأة وتمكينها محورًا أساسيًا في مسار الإصلاح الديمقراطي. فمنذ الاستقلال، ظلت المرأة المغربية شريكًا في النضال من أجل الحرية والمواطنة، لكنها اليوم أصبحت فاعلًا سياسيًا مؤثرًا يسعى إلى إعادة تعريف موازين المشاركة داخل الحياة الحزبية والمؤسسات التمثيلية.
أولًا: جذور تاريخية ودستورية للمشاركة النسائية:
لا يمكن فهم واقع المرأة في العمل الحزبي دون العودة إلى مسارها التاريخي. فقد لعبت النساء أدوارًا جوهرية في الحركة الوطنية خلال الأربعينيات والخمسينيات، وبرزت أسماء نسائية كان لها حضور في التعبئة السياسية والاجتماعية. ومع تأسيس أولى الأحزاب بعد الاستقلال، بدأت المرأة تدخل المشهد السياسي بشكل متدرج، رغم القيود الثقافية التي كانت تحد من حضورها العلني.
وقد مثّل دستور 2011 نقطة تحوّل تاريخية في هذا المسار، إذ نصّ في الفصل 19 على مبدأ المناصفة والمساواة بين الرجل والمرأة، واعتبر تحقيقها مسؤولية الدولة والمجتمع معًا. كما أقرّ الفصل 30 حق المرأة في المشاركة السياسية الكاملة، وفتح الباب أمام سياسات عمومية تستهدف تمكينها من مواقع القرار.
ثانيًا: واقع المرأة في الأحزاب المغربية:
رغم المكاسب القانونية والدستورية، ما تزال المرأة تواجه صعوبات متعددة داخل التنظيمات الحزبية. فوفقًا لإحصاءات وزارة الداخلية المغربية (2021)، بلغت نسبة تمثيل النساء في البرلمان حوالي 24%، وهي نسبة مهمة مقارنة بما قبل عام 2011 حيث لم تتجاوز 10%، لكنها ما تزال دون طموحات المناصفة الكاملة.
وفي الجماعات المحلية، تشير تقارير الهيئة العليا للمساواة (2023) إلى أن حضور النساء في المجالس الترابية لا يتعدى 27%، مع تفاوت واضح بين المدن الكبرى والقرى، وهو ما يعكس استمرار التحديات البنيوية والثقافية التي تحول دون وصول النساء إلى مواقع القرار الحزبي المحلي.
ثالثًا: التحديات البنيوية والثقافية:
تكمن أبرز العقبات في غياب ثقافة سياسية دامجة داخل بعض الأحزاب، وضعف التكوين الحزبي للكوادر النسائية، إضافة إلى استمرار النظرة النمطية التي ترى السياسة مجالًا ذكوريًا بامتياز.
كما أن بعض النساء داخل الأحزاب يواجهن التهميش الرمزي، إذ يتم توظيف حضورهن أحيانًا لأغراض انتخابية دون تمكين فعلي من القرار أو منحهن صلاحيات استراتيجية.
ومع ذلك، فإن التحولات الأخيرة تُظهر إرادة متزايدة لدى المرأة المغربية لتجاوز هذه القيود. فجيل جديد من الشابات المتعلمات والفاعلات في المجتمع المدني بدأ يفرض حضوره داخل الأجهزة الحزبية، من خلال اقتراح مبادرات إصلاحية وبرامج تتعلق بالتعليم، الصحة، والعدالة الاجتماعية.
رابعًا: التمكين السياسي كدعامة للإصلاح الديمقراطي:
إن تمكين المرأة ليس شعارًا، بل خيار استراتيجي لبناء ديمقراطية متوازنة. فقد أكد الملك محمد السادس في خطاب 20 أغسطس 2022 أن التنمية الشاملة لا يمكن أن تتحقق “بنصف المجتمع معطلًا”، داعيًا إلى تعزيز حضور النساء في مواقع القرار والقيادة.
ومن هذا المنطلق، يُعدّ تمكين النساء سياسيًا شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة التمثيلية وضمان شمولية الإصلاح الديمقراطي.
المرأة المغربية التي أثبتت كفاءتها في مجالات التعليم والاقتصاد والإدارة، تمتلك اليوم رصيدًا معرفيًا وتجريبيًا يجعلها قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، من خلال ممارستها للحوار، والتخطيط، والقيادة المسؤولة داخل الأحزاب.
خامسًا: آفاق المستقبل والمشاركة الانتخابية:
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبدو الحاجة ماسة إلى تعزيز حضور النساء في اللوائح الانتخابية، وتوفير شروط الدعم السياسي والمالي والتواصلي لضمان تنافسية حقيقية.
فالمشاركة النسائية في الانتخابات لا تقتصر على التصويت، بل تمتد إلى الترشيح، والإقناع، وصناعة الرأي العام.
وفي هذا السياق، يمكن للمرأة المغربية أن تشكل قوة موازنة داخل الحقل السياسي، تساهم في تجديد الخطاب الحزبي وربطه أكثر بقضايا المجتمع.
لقد تجاوزت المرأة المغربية مرحلة الحضور الرمزي إلى مرحلة المشاركة الفاعلة في العمل الحزبي، رغم أن الطريق نحو المناصفة الحقيقية ما يزال طويلًا.
لكن المؤشرات الحالية تبعث على التفاؤل، إذ تتجه الدولة والأحزاب معًا نحو إدماج النساء في صلب الإصلاح السياسي، إدراكًا بأن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر إلا بمشاركة عادلة وشاملة.
المرأة المغربية اليوم ليست تابعًا في الحياة الحزبية، بل شريك في صناعة القرار، ورمز لمغرب يسعى إلى التوازن بين الحداثة والهوية، وبين الإصلاح السياسي وكرامة الإنسان.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار