أخبار وطنية

المغرب..المحكمة الدستورية تُسقط 5 مقتضيات من قانون إعادة تنظيم “المجلس الوطني للصحافة”

حسمت المحكمة الدستورية الجدل الواسع الذي رافق مشروع القانون التنظيمي المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، واضعة حداً لمسار تشريعي اتّسم بالاستعجال والتجاهل المتكرر لاعتراضات المهنيين والمعارضة، بعدما قضت بعدم دستورية عدد من مواده الأساسية، وأعادت بذلك ترتيب موازين تنظيم المهنة وفق مقتضيات الدستور وروحه.

وجاء قرار المحكمة الدستورية بعد إحالة مشروع القانون، الذي تداول فيه مجلس الحكومة بتاريخ 3 يوليوز 2025، وأُودع بالأسبقية لدى مجلس النواب في 7 يوليوز 2025، قبل أن يُصادق عليه هذا الأخير بعد تعديله في 22 يوليوز 2025، ثم مجلس المستشارين دون تعديل في 24 دجنبر 2025. غير أن هذا المسار التشريعي السريع لم يصمد أمام رقابة المحكمة الدستورية، التي تدخلت بناء على إحالة فرق المعارضة، مدعومة بحجج دستورية قوية.

إسقاط مواد تمس جوهر التمثيلية والحياد

في قرار مفصل، اعتبرت المحكمة أن عدداً من مواد القانون خالفت بشكل صريح الدستور، ويتعلق الأمر بالمواد:

المادة 5 (البند ب)،

المادة 4 (الفقرة الأخيرة)،

المادة 49،

المادة 57 (الفقرة الأولى)،

المادة 93.

وأبرزت المحكمة الدستورية أن المادة الخامسة، التي منحت تمثيلية راجحة للناشرين داخل المجلس الوطني للصحافة مقارنة بالصحافيين المهنيين، أخلّت بمبدأ التوازن والتساوي بين مكونات المهنة، المنصوص عليه في الفصل 28 من الدستور، وفتحت الباب أمام هيمنة منطق النفوذ الاقتصادي على حساب التنظيم الذاتي الديمقراطي.

كما اعتبرت أن المادة 49، التي تخول لمنظمة مهنية واحدة الفوز بجميع مقاعد فئة الناشرين، تشكل ضرباً لمبدأ التعددية المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، وتؤسس لاحتكار تمثيلي لا ينسجم مع روح الدستور ولا مع فلسفة التنظيم المهني.

أما المادة 93، فقد رأت المحكمة أنها تمس بشكل مباشر مبدأ الحياد، من خلال الجمع بين صفة رئيس لجنة الأخلاقيات وعضوية لجنة الاستئناف التأديبية، ما يفقد هذه الأخيرة استقلالها المفترض، ويجعلها في موقع “القاضي والخصم” في آن واحد، في تعارض صريح مع ضمانات المحاكمة العادلة.

مواد أخرى صمدت أمام الرقابة الدستورية

في المقابل، قضت المحكمة بعدم وجود مخالفة دستورية في مواد أخرى كانت محل طعن، من بينها المواد 9 و10 و13 و23 و44 و45 و55، معتبرة أن المشرّع تحرك داخل نطاق سلطته التقديرية، خاصة فيما يتعلق بتحديد الجرائم التأديبية، وآليات الانتداب، ودور المجلس في إبداء الرأي حول مشاريع القوانين، دون المساس بجوهر الفصل بين السلط أو بحقوق الدفاع.

غير أن هذا “القبول الجزئي” لم يحجب جوهر القرار، الذي أسقط الأعمدة الأكثر إثارة للجدل في النص، تلك التي كانت، وفق مهنيين، تشكل مدخلاً لإعادة هندسة المجلس الوطني للصحافة على مقاس توازنات بعينها.

انتقاد سياسي ومنهجي لتمرير القانون

القرار الدستوري أعاد إلى الواجهة الانتقادات الموجهة لوزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، الذي أصرّ، خلال المسار التشريعي، على تمرير المشروع بالصيغة التي اقترحتها الحكومة، رافضاً تعديلات المعارضة وملاحظات الهيئات الاستشارية، ومتجاهلاً احتجاجات واسعة داخل الجسم الصحافي.

واعتبرت مصادر مهنية أن ما وقع يمثل “تصحيحاً دستورياً لمسار سياسي متعجّل”، ومحاولة واضحة لوضع حد لمنطق فرض الأمر الواقع في ملف حساس يرتبط بحرية الصحافة واستقلالية تنظيمها الذاتي.

انتصار نسبي للمهنة والدستور

بقرارها هذا، تكون المحكمة الدستورية قد أعادت التأكيد على أن تنظيم الصحافة لا يمكن أن يتم بمنطق الغلبة العددية أو النفوذ الاقتصادي، بل وفق أسس ديمقراطية تضمن التوازن والتعددية والحياد. كما وجّهت رسالة واضحة مفادها أن أي إصلاح تشريعي يمس الحريات والمؤسسات المهنية لا بد أن يمر عبر احترام صارم للدستور، لا عبر السرعة والتمرير.

ويبقى مشروع القانون، بعد هذا القرار، مطالباً بالعودة إلى المسطرة التشريعية لإعادة صياغة المقتضيات الملغاة، في اختبار حقيقي لمدى استعداد الحكومة للإنصات للمهنة، والقطع مع مقاربة فرض القوانين بدل بنائها بالتوافق والشرعية الدستورية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار