أقلام حرة

“الهجرة الكبرى”: كيف تفقد ألمانيا واليابان روحهما الصناعية لصالح “المغناطيس الأمريكي”!

في مطلع عام 2026، لم يعد ما يشهده العالم مجرد إعادة تموضع عابرة في خريطة التجارة الدولية، ولا نتيجة ظرف اقتصادي مؤقت، بل أقرب إلى موجة انتقال صناعي واسعة يمكن وصفها بهجرة بنيوية كبرى، تذكّر في آثارها بالتحولات التي أعقبت الثورة الصناعية الأولى. فالمصانع التي شكّلت لسنوات طويلة رمز القوة الصناعية في ألمانيا واليابان تبدو اليوم وكأنها تعيد تمركزها تدريجياً نحو الولايات المتحدة.

لطالما حذّر الاقتصادي الألماني هانس فيرنر سين من مخاطر تآكل القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني، لكن ما يجري اليوم يتجاوز التحذير النظري ليقترب من تحوّل هيكلي ملموس. لا يتعلق الأمر بدورة ركود عابرة، بل بإعادة توزيع عميقة لمراكز الإنتاج الصناعي في أوروبا واليابان ضمن بيئة دولية تتغير فيها قواعد الاستثمار والتجارة بوتيرة متسارعة. العامل الحاسم لم يعد نقص العمالة أو تراجع الخبرات بقدر ما هو تغيّر أوسع في البيئة الجيوسياسية والاقتصادية التي تحكم قرارات رأس المال الصناعي، حيث أصبحت الولايات المتحدة تمثل مركز جذب قوياً بفعل الحوافز الصناعية وتكاليف الطاقة المنخفضة نسبياً.

كان قطاع السيارات لعقود طويلة العمود الفقري للصناعة في ألمانيا واليابان، غير أنه يواجه اليوم ضغوطاً مركبة. ففي ألمانيا تشير بيانات اتحادات الصناعة إلى فقدان أكثر من 120 ألف وظيفة صناعية خلال عام 2025، كان نصيب قطاع السيارات منها نحو 49 ألف وظيفة، وفق بيانات أولية لاتحاد صناعة السيارات الألماني (VDA) وتقديرات شركة EY. وقد انعكس هذا التحول بوضوح على الأقاليم الصناعية التقليدية. شركات صناعية كبرى أعادت تقييم نموذجها القائم على التصدير من أوروبا، ووسّعت استثماراتها الإنتاجية داخل الولايات المتحدة للاستفادة من الحوافز الصناعية وتجنّب المخاطر التجارية المحتملة. وبالنسبة لكثير من المستثمرين، أصبحت المقارنة بين الإنتاج داخل أوروبا والإنتاج داخل السوق الأمريكية مسألة كلفة واستقرار في آن واحد.

وفي اليابان أيضاً، أعادت شركات مورّدة تقليدية تقييم انتشارها الجغرافي في ضوء اعتبارات التكلفة والطاقة وسلاسل التوريد. فالبقاء في بيئات إنتاج مرتفعة التكلفة أصبح يتطلب مبررات اقتصادية أقوى، بينما يوفّر الانتقال إلى الولايات المتحدة مزيجاً من الإعفاءات الضريبية والطاقة الأقل سعراً. وكما يشير روبرت رايش في تحليلاته للاقتصاد العالمي، فإن رأس المال يتجه عادة إلى البيئات التي تجمع بين الحماية والموارد. وفي الصناعات الثقيلة والكيماوية على وجه الخصوص، تبدو فروق تكلفة الاستثمار بين أوروبا والولايات المتحدة عاملاً حاسماً في قرارات التمركز الصناعي، حيث تشير تقديرات صناعية متداولة إلى أن تكلفة بناء مصنع كيماويات في تكساس أقل بنحو 40٪ من نظيره في ألمانيا.

إذا كان قطاع السيارات هو العنوان الأكثر وضوحاً، فإن الصناعات الكيماوية والميكانيكية تمثل المؤشر الأعمق لهذا التحول. فقد تحولت الطاقة من مجرد مدخل إنتاج إلى عنصر استراتيجي في تحديد مواقع الصناعة. أوروبا، التي ما زالت تتعامل مع تداعيات أزمة الغاز، تواجه صعوبة في استعادة مستويات التكلفة التنافسية السابقة. وتشير تقارير الاستدامة والتنافسية الصادرة عن اتحاد الصناعات الكيميائية الألماني (VCI) لعامي 2024 و2025، إلى جانب دراسة Oxford Economics الصادرة في أكتوبر 2025 بعنوان “نقطة التحول: تهديدات للوظائف والنمو في قطاع الكيماويات الأوروبي”، إلى أن تكلفة إنشاء منشآت كيماوية متوسطة الحجم في الولايات المتحدة أقل بنحو 35–40٪ من نظيرتها في أوروبا، مع فارق مهم في استقرار إمدادات الطاقة. وفي هذا السياق، يؤكد المؤرخ الاقتصادي آدم توز أن الطاقة تمثل عاملاً سيادياً حاسماً في القدرة الصناعية للدول.

وفي مجال التكنولوجيا المتقدمة، ولا سيما أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، أصبحت مسألة موقع الإنتاج جزءاً من المنافسة الجيوسياسية. وقد دفعت السياسات الصناعية الأمريكية العديد من الشركات الدولية إلى توسيع استثماراتها داخل الولايات المتحدة، سعياً إلى الوصول إلى السوق والحوافز والدعم المؤسسي. وكما يوضح جوزيف ناي في تحليلاته للقوة الدولية، فإن النفوذ لا يرتبط فقط بالابتكار، بل أيضاً بالقدرة على تحديد شروط استخدام التكنولوجيا.

في ضوء هذه التطورات، يبرز انطباع متزايد بأن النظام الاقتصادي الدولي يتجه نحو نموذج أكثر ارتباطاً بالموقع الجغرافي للإنتاج والاستثمار. لم تعد العلاقات الاقتصادية تُعرّف فقط عبر الشراكات التجارية، بل عبر القدرة على جذب رأس المال الصناعي وتثبيته داخل الحدود الوطنية. وبذلك لا تبدو الاقتصادات الصناعية التقليدية وكأنها تنهار بالمعنى المباشر، بل وكأن جزءاً من ثقلها الإنتاجي يعاد توزيعه جغرافياً. النتيجة الأوسع هي إعادة رسم تدريجية لخريطة القوة الصناعية العالمية في عالم يتزايد فيه الترابط بين السياسة الصناعية والسيادة الاقتصادية.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار