الرأي والتحليل

بهدف استمالة الناخبين..مليون منصب شغل صافٍ… وعد كاذب أم حلم

مع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحادية عشرة، تعود إلى الواجهة وعود الأحزاب السياسية الجديدة بهدف استمالة الناخبين وكسب المزيد من الأصوات.

غير أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في الوعود المقبلة، بل العودة إلى الالتزامات السابقة، ومساءلة مدى تنفيذها على أرض الواقع، ومدى وفاء الحكومة بما تعهدت به عند بداية ولايتها.

ففي البرنامج الحكومي 2021/2026 كان إحداث مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال الخمس سنوات المقبلة ثاني الالتزامات العشرة التي تعهدت بها الحكومة، باعتباره أحد أهم الوعود الهادفة إلى الحد من البطالة وتحسين وضعية سوق الشغل.

هذا الالتزام عاد اليوم إلى واجهة النقاش مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، في ظل تباين واضح بين الأرقام التي تقدمها الحكومة والمعطيات التي يستند إليها منتقدو حصيلتها.

ففي بلاغ رسمي صدر عقب اجتماع خُصص لتتبع تنزيل خارطة طريق قطاع التشغيل، أكد رئيس الحكومة أن الاقتصاد الوطني أحدث 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية، معرباً عن توقعه بلوغ هدف مليون منصب شغل صافٍ مع نهاية الولاية الحكومية، إذا استمرت الدينامية المسجلة، وذلك دون احتساب المناصب التي فُقدت في القطاع الفلاحي بسبب الجفاف.

غير أن هذه النسبة تطرح أكثر من علامة استفهام. فإذا كان الهدف الذي التزمت به الحكومة في برنامجها هو إحداث مليون منصب شغل صافٍ، فكيف يمكن الاستناد إلى رقم يقتصر على المناصب المحدثة في القطاعات الأخرى واستثناء القطاع الفلاحي، مع استبعاد من جهة أخرى المناصب التي فُقدت في القطاع نفسه؟ أليس من المفترض أن يُحتسب صافي مناصب الشغل بعد خصم المناصب المفقودة من المناصب المحدثة، حتى تعكس الحصيلة واقع سوق الشغل كما هو؟ ذلك أن طريقة الحساب كالتالي:

مناصب الشغل التي أُحدثت – مناصب الشغل التي فُقدت = صافي مناصب الشغل

ولا يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ إن الحكومة أدرجت ضمن حصيلتها معطيات تعود إلى سنة 2021، رغم أن ولايتها لم تبدأ إلا في أكتوبر من السنة نفسها، أي أدرجت حصيلة تسعة أشهر من الولاية السابقة، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى انسجام الفترة الزمنية المعتمدة في احتساب الحصيلة مع مدة الولاية الحكومية.

فهل يجوز احتساب مناصب شغل أُحدثت قبل مباشرة الحكومة لمهامها ضمن حصيلة هذه الأخيرة؟ وحتى إذا افترضنا، جدلاً، صحة الرقم الذي أعلنته الحكومة، والبالغ 850 ألف منصب شغل، فإن بلوغ هدف مليون منصب شغل صافٍ قبل نهاية الولاية يظل رهيناً بإحداث 150 ألف منصب شغل إضافي.

وإذا كانت المدة المتبقية لا تتجاوز شهرين، فإن ذلك يعني ضرورة إحداث ما يقارب 75 ألف منصب شغل شهرياً، وهو ما يطرح بدوره تساؤلات حول مدى واقعية تحقيق هذا الالتزام في الأجل المتبقي.

ومن جهة أخرى، تطرح مؤشرات سوق الشغل نفسها تساؤلات إضافية. فإذا كانت الحكومة تؤكد أنها أحدثت 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية، فإن المنطق الاقتصادي يقتضي أن ينعكس ذلك على مؤشرات سوق الشغل، وفي مقدمتها معدل البطالة، الذي نجد أنه وصل خلال هذه الولاية إلى نسبة 13 في المائة.

إن هذا التباين في الأرقام، والطريقة التي قُدِّمت بها الحصيلة الحكومية، والتي تبدو أنها تحاول من خلالها تضخيم المؤشرات المعلنة، وعدم وضوح منهجية احتسابها، يفتح الباب أمام مساءلة مصداقية الحصيلة الحكومية، ومدى احترامها لحق المواطن في الاطلاع على معطيات دقيقة وواضحة، وأيضاً حقهم في معرفة مدى وفاء الحكومة بالالتزامات المسطرة في برنامجها الحكومي، ومنه ربط المسؤولية بالمحاسبة الذي يُعدُّ أحد أهم أسس الحكامة الجيدة، فالشفافية والوضوح والقدرة على الاعتراف بالإخفاقات لا يقل أهمية بدوره عن تحقيق الإنجازات.

إن دمقرطة الحكومة لا تقاس فقط بنتائج صناديق الاقتراع أو بالأرقام المسطرة والمحققة، ولكن بشفافية الحصيلة وصدق الخطاب واحترام حق المواطن ليس فقط في الوصول ومعرفة المعطيات الدقيقة، ولكن أيضاً في تقييم أداء الحكومة على أساس الحقائق لا الشعارات

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار