أخبار وطنية

تجربتي من داخل قاعة امتحانات الباكالوريا

عندما اتخذت قرار اجتياز امتحان الباكالوريا حر هذا الموسم لم أكن أعلم أنني بصدد عيش تجربة تجمع بين الأحاسيس و المعرفة و السخرية، حيث أن هذا الموسم و الذي كان عنوانه جهاز كشف الهواتف، جعلني أطرح عدة تساؤلات حول مدى نجاعة البرامج الوزارية في النهوض بمستوى التعليم. و من خلال هذا المقال سأحاول سرد الأحداث و رؤيتي لها و لحيثياتها.
مسرح هذه القصة كان إعدادية تم اختيارها لإجراء امتحانات الباكالوريا أحرار، و في اليوم الأول ظهر أبطال القصة، حينما وقف الأطر الإداريون للمؤسسة يحاولون فرض الطابور على المترشحين بأسلوبهم الذي اعتادوه مع تلامذتهم بالصراخ و بعض التعسف، لم يروا حتى أن من أمامهم هم راشدون و ليسوا أطفال قاصرين، ليتضح كيف أن الأطر يفتقدون للبيداغوجية التي يستطيعون بها تحويل أسلوب تعاملهم بحسب الفئات العمرية تفاديا للصدامات، فكانت النتيجة أن الأطر أصبحوا مادة للسخرية و لم يعبئ لصراخهم إلا القليل.
داخل القاعة ساد الارتباك و كثر المتدخلون، فشهدنا خلال اجتياز الامتحان مرور عدة متدخلين في القاعات مسببين نوع من الارتباك يؤثر على تركيز المترشح عند كل مادة، ففي البداية يبدأ المراقبون بإلصاق ملصق الأكواد على أوراق الامتحان الوحد تلو الآخر أثناء إجرائه و ليس قبله، ثم يمر صاحب ملف الغياب ليسجل الغائبين، بعده يأتي متدخل آخر يحمل طابع يحمل كلمة غائب ليضعها على أوراق الغائبين، في أثناء الاختبار يمر أعضاء من إدارة المؤسسة و بنفس أسلوبهم المستفز يطالبون المترشحين بتسليم هواتفهم، مثيرين بذلك فوضى داخل القاعة تجعل من الصعب التركيز على الإجابات، و الأسواء من هذا، أن ذلك الإداري الذي دخل و بدأ بالصراخ داخل القاعة، سمح بجعجعته لمن يحملون وسائل غش أن يخرجوها وسط أجواء الارتباك التي خلقها. في الأخير يمر الجهاز العبقري لرصد الهواتف المتنقلة، الجهاز الذي كلف الوزارة رزمة من الملايين أجمع الفاعلون على فشله في تحقيق المبتغى، حيث لم يمنع مرور الجهاز المترشحين من استخدام الهواتف، خصوصا و أن آلة الرصد عاجزة عن تحديد موقع تواجد الهواتف، و إنما تكتفي بإعطاء الإشارة بوجودها في مكان ما داخل القاعة، بل في حالات أخرى لم تكن قادرة على كشفها نظرا لأن الطلاب كانوا أكثر دهاء و استخدموا وسائل تحجبهم عنها.
و بين التسامح و التشدد في طريقة عمل المراقبين نجد أن المتدخلين ممن لم يتوقفوا عن إزعاج و إضاعة وقت المترشحين لم يكن لديهم أي خبرة في التعامل مع هذه الحالات، و هنا أتذكر واقعة حدثت لي أثناء الامتحان، و بينما أنا منهمك في ملئ ورقة الإجابة، دخل علينا أحد الإداريين و توجه نحوي بشكل واثق ثم لمس ورقة الأسئلة و كأنه يبحث تحتها عن ورقة أغش منها أو شيء من هذا القبيل، وعندما لم يجد شيئا رحل و هو يجر ذيول الخيبة، و لم ينتبه أنه غير بعيد عني يوجد مترشح يضع هاتفه المحمول بجانه و ينقل منه الإجابات، ليطرح التساؤل حول ما هي الأسباب أو العلامات التي يعتمد عليها الأطر لرصد أو الشك في حالات الغش، هل هي الملامح أو التصرفات أو مجرد تخمينات ؟.
بالحديث عن الأجوبة عبر الهاتف، فإن الاحتياطات المتخذة لمنع تسريب الامتحانات هي الأخرى فشلت، فقد لاحظت أن زملائي المترشحين ممن يستعملون الهواتف، قد حصلوا على الأجوبة عبر مجموعات واتساب خاصة دقائق قليلة بعد توزيع الأوراق، ما يعني أن ورقة الامتحان تم تسريبها و تصحيحها و ارسالها قبل انقضاء الوقت المحدد.
من خلال هذا السرد، فأنا لا أخلي مسؤولية المترشحين، خصوصا الغير متمدرسين ممن اختاروا طواعية اجتياز الامتحان و لم يعدوا له سوى هواتفهم و بعض الأوراق المصغرة. أما المتمدرسين فإن المسؤولية مشتركة بينهم و بين هيئة التدريس التي فشلت في منحه تكوينا كافيا حتى يغنيهم عن الغش، فليس الجميع قادرا على دفع مبالغ من أجل الحصول على دروس خاصة قبل الامتحان, وليس كل المعلمين قادرين على العيش بكرامة بدون تقديم دروس الدعم، في ظل الغلاء و هزالة الأجور. و من جهة أخرى فإن تكوينهم يجب أن يندرج فيه الإحساس بالمسؤولية، لأنها السبيل نحو تقويم التصرفات.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار