أقلام حرة

تفكك “الغرب ” وارتدادات ملف الصحراء المغربية!

لم تعد أزمة الاتحاد الأوروبي مع إدارة ترامب مجرد فصل جديد في الخلافات عبر الأطلسي، بل تحوّلت إلى مؤشر بنيوي على تفكك “الغرب” كفضاء سياسي متماسك. وفي قلب هذا التفكك، يُعاد طرح سؤال بالغ الحساسية بالنسبة للمغرب: كيف يُدار ملف الصحراء في سياق غربي متصدع، حيث تتراجع القواعد لصالح منطق القوة والمقايضة؟

ظلّ الاتحاد الأوروبي، تاريخيًا، يُقدَّم ولو نظريًا كفاعل موازن داخل الفضاء الغربي، قادر على توفير هامش سياسي للمغرب داخل ملفات حساسة، من بينها ملف الصحراء. غير أن خضوع بروكسل لمنطق الإكراه الاقتصادي الأمريكي، وقبولها بـ“اتفاقية الإذعان”، يكشفان تراجعًا واضحًا في استقلالية القرار الأوروبي. بالنسبة لملف الصحراء، يحمل هذا التحول دلالة مركزية حيث ان  أوروبا لم تعد تملك القدرة ، ولا ربما الإرادة ، للعب دور سياسي مستقل حين تتقاطع القضية مع أولويات واشنطن أو حسابات التنافس الدولي. بمعنى آخر، لم يعد الرهان على “التوازن الأوروبي” داخل الغرب بنفس القوة التي كان عليها سابقًا.

في عهد ترامب، لا تُدار القضايا الحساسة بمنطق القانون الدولي أو الخطاب القيمي، بل بمنطق المقايضة المباشرة. هذا المنطق يجعل من ملفات السيادة ومنها ملف الصحراء عناصر محتملة في لعبة أوسع تشمل التجارة،التموقع الجيوسياسي، التنافس مع الصين وترتيبات النفوذ الإقليمي. لا يعني ذلك بالضرورة استهدافًا مباشرًا للمغرب، لكن يعني أن استقرار المواقف الغربية تجاه الملف لم يعد مضمونًا بذاته، بل بات مرتبطًا بتقاطع المصالح الظرفية. وهنا تكمن المفارقة: الاعترافات أو الدعم لا تصبح “نهائية”، بل قابلة لإعادة التوظيف السياسي في سياق تفاوضي أوسع.

تفكك الموقف الأوروبي هذا، لا ينعكس فقط في علاقته بواشنطن، بل أيضًا في تباين مواقف دوله الداخلية. في سياق تتعرض فيه أوروبا للضغط والابتزاز، تصبح بعض الدول أكثر قابلية لاستخدام ملفات خارجية كورقة تفاوض أو تموضع. هذا الواقع قد يؤدي إلى إعادة تسييس ملف الصحراء داخل بعض العواصم الأوروبية أو استخدامه كورقة ضغط غير مباشرة في ملفات أخرى. بالنسبة للمغرب، يعني ذلك أن وحدة الموقف الأوروبي ،التي كانت تُعد رصيدًا نسبيًا،  لم تعد معطى ثابتًا. أزمة جرينلاند تُقدّم درسًا جيوبوليتيكيًا بالغ الأهمية في هذا الشأن، حتى داخل الناتو والاتحاد الأوروبي، يمكن لملف سيادي حساس أن يتحول إلى عبء على الدولة المعنية إذا تعارض مع مصالح قوة كبرى.

بالنسبة للمغرب، يكرّس هذا الحدث قناعة استراتيجية: لا توجد ضمانات دائمة في النظام الدولي، بل توازنات متغيرة. وهو ما يجعل إدارة ملف الصحراء مرتبطة، ليس فقط بحشد الدعم، بل أيضًا ببناء شبكة مصالح تجعل استقرار الموقف الغربي مصلحة للآخرين، لا مجرد موقف مبدئي. في عالم يتجه نحو استقطاب متزايد، لا تُفهم القضايا الإقليمية بمعزل عن الصراع الأكبر. فملف الصحراء، من منظور القوى الكبرى، يمكن أن يُقرأ أيضًا ضمن استقرار غرب إفريقيا، أمن الممرات الأطلسية، النفوذ في الساحل والصحراء وموازين الحضور الصيني والروسي في إفريقيا. هذا يعني أن موقع المغرب في هذا التنافس يمنحه أوراق قوة، لكنه في الوقت نفسه يجعله جزءًا من حسابات تتجاوز الإطار القانوني البحت.

تكشف ، في نظري، أزمة الغرب في 2026 أن زمن الضمانات الصلبة قد انتهى. وفي هذا السياق، لا يُدار ملف الصحراء بمنطق الاطمئنان إلى مواقف ثابتة، بل بمنطق الإدارة المستمرة للتوازنات. ففي عالم لم يعد يعترف بالاستقرار الطويل، يصبح التحدي الحقيقي ليس في انتزاع مواقف داعمة، بل في تحويل هذه المواقف إلى مصالح متقاطعة تجعل التراجع عنها مكلفًا للآخرين. وهنا بالضبط تتقاطع براغماتية المغرب مع واقع دولي قاسٍ: الشرعية وحدها لا تكفي، كما أن القوة وحدها لا تحسم، بل إن فن إدارة التوازن هو ما يصنع الفارق.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار