الأحزاب المغربية تحت المجهر

حزب التجمع الوطني للأحرار: البراغماتية السياسية بين قوة التنظيم واختبار السلطة

الأحزاب المغربية تحت المجهر

تقدّم سلسلة “الأحزاب المغربية تحت المجهر” التي تطلقها DairaNews قراءة تحليلية للمشهد الحزبي المغربي، بعيدًا عن أي انحياز أو تفضيل.

يعتمد ترتيب الأحزاب على معايير موضوعية تشمل الوزن السياسي، الحضور البرلماني، والتنوّع الإيديولوجي، بهدف تعميق الفهم وإحياء النقاش حول مستقبل العمل الحزبي في المغرب.

المقال 5: حزب التجمع الوطني للأحرار: البراغماتية السياسية بين قوة التنظيم واختبار السلطة

من حزبٍ ارتبط لعقود بصورة النخب الإدارية والاقتصادية، إلى قوة انتخابية تقود الحكومة وتتحكم في جزء واسع من المشهد السياسي المغربي، خاض حزب التجمع الوطني للأحرار واحدة من أكثر التحولات إثارة داخل الحياة الحزبية المغربية.

فالحزب الذي ظل طويلًا يُقدَّم باعتباره “حزب الأعيان” أو “الحزب الإداري”، استطاع خلال السنوات الأخيرة إعادة بناء صورته كتنظيم سياسي حديث يعتمد على التسويق السياسي، والتواصل الرقمي، وقوة التنظيم، والخطاب القائم على “النجاعة” و”النتائج” بدل الصراع الإيديولوجي التقليدي.

لكن الوصول إلى رئاسة الحكومة سنة 2021 وضع الحزب أمام امتحان مختلف تمامًا.

فالرهان لم يعد مرتبطًا بكيفية الفوز بالانتخابات، بل بمدى القدرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة داخل سياق اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، يتسم بارتفاع الأسعار، وضغط البطالة، وتآكل القدرة الشرائية، وتزايد انتظارات المواطنين.

ومن هنا يبرز السؤال المركزي:

هل نجح حزب الأحرار في تأسيس نموذج جديد للحكم قائم على التدبير والفعالية الاقتصادية، أم أن السلطة بدأت تُحوّل “حزب النتائج” إلى هدف مباشر للغضب الاجتماعي؟

1. الهوية التاريخية والنشأة السياسية

تأسس حزب التجمع الوطني للأحرار سنة 1978 بقيادة أحمد عصمان، في مرحلة سياسية سعت فيها الدولة المغربية إلى إعادة تشكيل التوازنات الحزبية داخل البرلمان والمؤسسات المنتخبة.

ومنذ البداية، ارتبط الحزب بصورة تنظيم قريب من الإدارة والنخب الاقتصادية، حيث ضم شخصيات تكنوقراطية وأعيانًا ومنتخبين محليين أكثر مما ضم تيارات فكرية أو إيديولوجية متجانسة.

وعلى خلاف الأحزاب العقائدية التي بنت مشروعها على اليسار أو القومية أو المرجعية الإسلامية، تأسس “الأحرار” على منطق مختلف يقوم على:

  • الاستقرار؛
  • التدبير؛
  • دعم الاستثمار؛
  • والانخراط داخل المؤسسات.

لكن التحول الحقيقي في مسار الحزب بدأ مع صعود عزيز أخنوش إلى قيادته سنة 2016، حيث دخل الحزب مرحلة إعادة بناء شاملة:

  • تنظيمًا؛
  • وخطابًا؛
  • وصورةً إعلامية؛
  • وآليات اشتغال ميدانية.

فتحول تدريجيًا من حزب نخبوي محدود الحضور الشعبي إلى ماكينة سياسية وانتخابية حديثة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير والتعبئة.

تحليل:

التحول الذي عرفه الحزب لم يكن مجرد تغيير في القيادة، بل انتقال عميق في طبيعة السياسة نفسها داخل المغرب.

فـ”الأحرار” يعكس صعود نموذج سياسي جديد يقوم على إدارة الصورة، والتسويق الانتخابي، والفعالية التنظيمية، بدل الاعتماد على الإيديولوجيا أو الخطاب النضالي التقليدي.

وبهذا المعنى، أصبح الحزب تعبيرًا عن انتقال جزء من السياسة المغربية من “معركة الأفكار” إلى “معركة التدبير والنجاعة الاقتصادية”.

2. البنية التنظيمية والثقافة الداخلية

يتوفر الحزب على واحدة من أقوى البنيات التنظيمية واللوجستية داخل المشهد الحزبي المغربي:

▪︎ شبكة تنظيمية واسعة تغطي مختلف الجهات والأقاليم.

▪︎ حضور قوي للمنتخبين المحليين والأعيان.

▪︎ إمكانيات مالية ولوجستية كبيرة.

▪︎ استثمار مكثف في التواصل الرقمي والتسويق السياسي.

▪︎ قدرة عالية على استقطاب الكفاءات والأطر التقنية.

كما اعتمد الحزب خلال السنوات الأخيرة على جولات ميدانية وبرامج إنصات مباشر للمواطنين، في محاولة لبناء صورة “الحزب القريب من الناس” بدل صورة التنظيم المرتبط فقط بالنخب الاقتصادية.

لكن رغم هذه القوة التنظيمية، لا يزال الحزب يواجه انتقادات مرتبطة بطبيعة تركيبته الداخلية، خصوصًا ما يتعلق بحضور رجال الأعمال والنفوذ الاقتصادي داخل هياكله.

ويرى خصومه أن قوة المال والشبكات الانتخابية داخل الحزب تتفوق أحيانًا على النقاش الفكري والسياسي، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التوازن بين السياسة والاقتصاد داخله.

تحليل تنظيمي:

نجح حزب الأحرار في بناء واحدة من أكثر الماكينات الانتخابية فعالية في المغرب، لكنه لا يزال يواجه تحديًا أساسيًا يتعلق ببناء عمق فكري وسياسي يتجاوز صورة “حزب الموارد والنفوذ”.

فالقدرة على التنظيم تمنح الحزب قوة انتخابية، لكنها لا تمنحه بالضرورة شرعية رمزية طويلة الأمد داخل مجتمع يزداد حساسية تجاه الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.

3. المرجعية الفكرية والبرنامج السياسي

يرتكز الحزب على مرجعية ليبرالية براغماتية تقوم على:
▪︎ دعم الاستثمار والمقاولة؛
▪︎ تشجيع الاقتصاد الحر؛
▪︎ توسيع الحماية الاجتماعية؛
▪︎ تحديث الإدارة؛
▪︎ تحسين مناخ الأعمال؛
▪︎ وتقوية جاذبية الاقتصاد الوطني.

وخلال انتخابات 2021، قدم الحزب خطابًا اجتماعيًا مكثفًا ركز على:

  • الصحة؛
  • التعليم؛
  • التشغيل؛
  • والدعم الاجتماعي المباشر.

كما حاول تقديم نفسه باعتباره حزب “الحلول العملية” لا حزب الشعارات السياسية الكبرى.

لكن المفارقة الأساسية ظهرت بعد الوصول إلى الحكومة، حيث وجد الحزب نفسه أمام واقع اقتصادي صعب:

  • تضخم عالمي؛
  • ارتفاع أسعار الطاقة؛
  • تداعيات الجفاف؛
  • وضغط اجتماعي متزايد.

وأصبحت ملفات مثل:

  • أسعار المحروقات؛
  • القدرة الشرائية؛
  • ودعم الفئات الهشة؛

في قلب النقاش العمومي، خصوصًا بسبب ارتباط صورة الحزب برجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين.

تحليل فكري:

المفارقة الكبرى أن الحزب الذي يقدم نفسه كمدافع عن “الدولة الاجتماعية” ينطلق في الوقت نفسه من مرجعية اقتصادية ليبرالية تؤمن بمنطق السوق والاستثمار.

وهذا التوتر بين “الليبرالية الاقتصادية” و”العدالة الاجتماعية” يمثل التحدي الفكري والسياسي الأعمق داخل تجربة الحزب.

فالمواطن المغربي لا يقيس نجاح الحكومة فقط بمؤشرات الاستثمار والنمو، بل أيضًا بمدى تأثير السياسات على حياته اليومية وقدرته الشرائية.

4. الحضور الانتخابي والسياسي

عرف الحزب خلال السنوات الأخيرة مسارًا تصاعديًا واضحًا:

▪︎ 1978: تأسيس الحزب ودخوله الحياة السياسية.

▪︎ 2007 – 2011: حضور متوسط داخل المشهد الحزبي.

▪︎ 2016: صعود قوي بعد قيادة عزيز أخنوش للحزب.

▪︎ 2021: تصدر الانتخابات التشريعية بـ102 مقعد وتشكيل الحكومة.

ولم يكن هذا الصعود نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل عدة عناصر:

  • ضعف الأحزاب التقليدية؛
  • تراجع الخطاب الإيديولوجي؛
  • قوة التنظيم؛
  • الحضور الإعلامي المكثف؛
  • الإمكانيات اللوجستية؛
  • والخطاب القائم على “الكفاءة والتدبير”.

تحليل سياسي:

فوز الحزب سنة 2021 لم يكن مجرد انتصار انتخابي عادي، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق داخل المجتمع المغربي.

فالناخب لم يعد يبحث فقط عن “الحزب صاحب الفكرة”، بل أصبح يبحث أيضًا عن “الحزب القادر على الإدارة وتحقيق النتائج”.

وبهذا المعنى، مثّل صعود الأحرار انتقالًا من مرحلة الاستقطاب الإيديولوجي إلى مرحلة هيمنة الخطاب البراغماتي المرتبط بالاقتصاد والتدبير.

تفسير أعمق:

نجح الحزب في تقديم صورة “رجل الأعمال الناجح” القادر على إدارة الدولة بمنطق الفعالية، وهي صورة وجدت صدى لدى جزء من الناخبين الباحثين عن الاستقرار والحلول العملية.

لكن هذه الصورة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما ترتفع الأسعار أو تتراجع القدرة الشرائية، لأن المواطن يربط حينها بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية داخل الوعي الجماعي.

5. الصورة الإعلامية والاتصال السياسي

يُعتبر حزب الأحرار من أكثر الأحزاب المغربية استثمارًا في الاتصال السياسي الحديث.

فقد اعتمد على:

  • حملات رقمية واسعة؛
  • هوية بصرية قوية؛
  • رسائل قصيرة ومباشرة؛
  • وتسويق سياسي قائم على القرب من المواطن.

كما نجح في بناء صورة إعلامية حديثة عبر شعارات مثل:

  • “تستاهل أحسن”؛
  • “أغراس أغراس”؛
  • و”حزب المعقول”.

واللافت أن الحزب لم يركز فقط على الخطاب السياسي التقليدي، بل استثمر بقوة في “التسويق الرمزي”، حيث حاول تقديم صورة السياسي الناجح، العملي، القريب من لغة المقاولة والتدبير.

لكن بعد الوصول إلى الحكومة، تحولت المنصات الرقمية نفسها التي ساهمت في صعود الحزب إلى فضاء واسع للضغط والانتقاد، خصوصًا مع تصاعد النقاش حول:

  • الأسعار؛
  • المحروقات؛
  • والقدرة الشرائية.

تحليل تواصلي:

حزب الأحرار كان ظاهرة تواصلية بقدر ما كان ظاهرة سياسية.

فقد فهم مبكرًا أن المعركة الحديثة لا تُحسم فقط داخل المقرات الحزبية، بل أيضًا داخل الفضاء الرقمي وصناعة الصورة والرمزية.

لكن الخطر في هذا النموذج أن الأحزاب التي تبني قوتها على الصورة تصبح أكثر عرضة للاهتزاز عندما تتغير المزاجات الاجتماعية أو تتراجع الثقة الشعبية.

6. التحديات الراهنة والرهانات المستقبلية

  1. الحفاظ على الثقة الشعبية في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
  2. التوفيق بين الليبرالية الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية.
  3. مواجهة الانتقادات المرتبطة بتداخل المال والسياسة.
  4. تحويل الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن.
  5. الحفاظ على صورة “حزب الكفاءة” وسط تصاعد النقد الرقمي والاجتماعي.

تحليل استراتيجي:

الحزب يواجه اليوم أخطر اختبار في مساره السياسي، لأن الانتقال من منطق الحملات الانتخابية إلى منطق تدبير الدولة يفرض قواعد مختلفة تمامًا.

فالمواطن لا يحاسب الحكومات على جودة التواصل أو قوة التنظيم، بل على:

  • الأسعار؛
  • التشغيل؛
  • الخدمات العمومية؛
  • ومستوى العيش.

ولهذا فإن مستقبل الحزب لن يتحدد فقط بقدرته على الفوز انتخابيًا، بل بقدرته على الحفاظ على الثقة وسط مجتمع أصبح أكثر وعيًا وأكثر سرعة في تحويل الغضب الاجتماعي إلى ضغط سياسي ورقمي.

يظل حزب التجمع الوطني للأحرار واحدًا من أكثر الأحزاب تأثيرًا داخل المغرب المعاصر، لأنه نجح في إعادة تعريف العمل السياسي بمنطق البراغماتية والتنظيم والتسويق الانتخابي الحديث.

لكن تجربة الحكم تظل دائمًا الامتحان الأصعب لأي حزب سياسي، خصوصًا عندما ترتفع انتظارات المواطنين وتتسع مساحة النقد العمومي.

واليوم يقف الحزب أمام مفترق حاسم:

إما أن ينجح في ترسيخ نموذج “حزب النتائج” القادر على تحويل الوعود إلى إنجازات واقعية،

أو يتحول إلى نموذج جديد للفجوة بين قوة الصورة الانتخابية وصعوبة إدارة السلطة تحت ضغط المجتمع والاقتصاد.

بطاقة تعريف مختصرة

الاسم الكامل: حزب التجمع الوطني للأحرار

سنة التأسيس: 1978

المرجعية الفكرية: ليبرالية براغماتية

المؤسس: أحمد عصمان

رئيس الحزب: Aziz Akhannouch

المقر المركزي: Rabat

عدد المقاعد في البرلمان: 102 مقاعد (انتخابات 2021)

الشعار السياسي: “تستاهل أحسن”

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار