أقلام حرة

حين انتصرت النقابة للفكرة… وتراجع البعض أمام الحسابات السياسية


منذ بداية النقاش حول تنزيل ورش المجموعات الصحية الترابية، كانت النقابة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من بين الأصوات التي دافعت عن ضرورة تحصين هذا الإصلاح الاستراتيجي من التقلبات السياسية ومن منطق المحاصصة.

فقد اعتبرت أن نجاح هذا الورش لا يمكن أن يتحقق إذا ظلت المؤسسات الصحية الجديدة رهينة لتغير الحكومات، أو خاضعة لتوازنات انتخابية ضيقة.

ومن هذا المنطلق، ناضلت النقابة من أجل أن تُدرج المجموعات الصحية الترابية ضمن المؤسسات الاستراتيجية التي يُعين مديروها العامون في المجلس الوزاري برئاسة جلالة الملك، بما يضمن استقرار قيادتها واستمرارية مشاريعها، ويمنحها استقلالية عن التجاذبات الحزبية التي غالباً ما تعصف بالإصلاحات الكبرى مع كل محطة انتخابية.

لقد كان هذا المطلب نابعاً من قناعة راسخة بأن قطاع الصحة ليس مجالاً للمزايدات السياسية، بل هو مرفق حيوي يرتبط مباشرة بحق المواطنين في العلاج، ويحتاج إلى رؤية طويلة المدى وإلى حكامة مستقرة لا تتغير بتغير الأغلبية الحكومية أو بتبدل المسؤولين السياسيين.

غير أن تحصين المؤسسة على مستوى القيادة وحده لا يكفي. فالتحدي الحقيقي يكمن في حماية المشروع الإصلاحي من كل أشكال التدخل الإداري أو السياسي التي قد تفرغ فلسفته من مضمونها. فلا معنى لاستقلالية المؤسسة إذا ظلت القرارات اليومية خاضعة لمنطق الولاءات أو الحسابات الضيقة، أو إذا استمرت بعض الممارسات القديمة في تدبير الموارد البشرية والتعيينات.

كما أن نجاح المجموعات الصحية الترابية يقتضي احترام مبدأ الاستحقاق والكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المهنيين وممثليهم في اتخاذ القرارات الكبرى، لأن أي إصلاح يُفرض من أعلى دون إشراك الفاعلين الميدانيين يبقى معرضاً للفشل مهما كانت جودة النصوص القانونية.

إن التجربة المغربية أثبتت أن العديد من الأوراش الإصلاحية فقدت زخمها بسبب تغيّر الأولويات السياسية مع تعاقب الحكومات، لذلك جاء مطلب تحصين المجموعات الصحية الترابية كمؤسسات استراتيجية ليؤسس لاستمرارية الدولة، لا لاستمرارية الحكومات، وليجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار انتخابي أو حزبي.

واليوم، وبعد انطلاق هذا الورش، يبقى الرهان الحقيقي هو احترام هذه الفلسفة وعدم الالتفاف عليها. فالمغاربة ينتظرون منظومة صحية قوية وعادلة، وليس مجرد تغيير في الهياكل والأسماء. وإذا عادت الممارسات القديمة، أو خضعت هذه المؤسسات للتجاذبات السياسوية، فإن المشروع سيفقد أهم مقومات نجاحه، وسيضيع على البلاد فرصة تاريخية لإصلاح قطاع ظل لعقود يعاني من الاختلالات.

إن الدفاع عن استقلالية المجموعات الصحية الترابية ليس امتيازاً لفئة أو مؤسسة، بل هو دفاع عن استقرار السياسات العمومية، وعن حق المواطن في خدمة صحية تستمر جودتها بغض النظر عن نتائج الانتخابات أو تغير المسؤولين.
بقلم العزية رشيد

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار