أقلام حرة

دافوس يسمع… والمغرب يتموضع: كيف قدّم أخنوش نموذج “الدولة الهادئة” في عالم مضطرب

 

«في زمن الضجيج السياسي، اختار المغرب أن يرسل رسالته بهدوء… فكانت أكثر وضوحًا»

في منتدى دافوس، حيث تُقاس الدول لا بما تقول بل بما توحي به، لم يشارك رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش فقط في نقاش اقتصادي عالمي، بل قام بعملية تموضع استراتيجي محسوبة.
وبالتالي، حمل الخطاب، في شكله ومضمونه وتوقيته، رسالة واحدة مركزية: المغرب لا يطلب مكانًا في النظام الدولي الجديد، بل يفرض نفسه كشريك موثوق داخله.

أولًا: دافوس ليس منبرًا… بل غرفة اختبار

منتدى دافوس لا يمثل مساحة خطابية تقليدية، بل يُعد غرفة تقييم غير معلنة تخضع فيها الدول لاختبارات الثقة والاستمرارية.
من ناحية أخرى، اختار أخنوش أن يتحدث بلغة يفهمها هذا الفضاء جيدًا:

  • الاستقرار بدل الوعود
  • الرؤية بدل الشعارات
  • الدولة بدل الحكومة

وعليه، كانت الرسالة واضحة: السياسات الكبرى في المغرب ليست رهينة الظرف، بل جزء من مسار مؤسساتي طويل تقوده رؤية ملكية ثابتة.

ثانيًا: حين تصبح القيادة الملكية عنصر طمأنة اقتصادية

التأكيد المتكرر على القيادة الملكية لم يكن بروتوكوليًا، بل عمل كأداة طمأنة استراتيجية.
إضافةً إلى ذلك، في عالم استثماري قلق، حيث تغيّر الدول سياساتها مع كل دورة انتخابية، قدم المغرب نفسه كاستثناء نسبي:

الاستمرارية السياسية = استقرار اقتصادي = قابلية استثمار طويلة الأمد.

في المقابل، تعتبر هذه المعادلة، التي بُني عليها الخطاب، ما يبحث عنه الفاعلون الدوليون اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ثالثًا: الدولة الاجتماعية بلا كلفة شعبوية

عندما طُرحت “الدولة الاجتماعية” في خطاب دافوس، لم يقدمها الخطاب كمشروع عاطفي أو عبء مالي، بل كخيار استراتيجي يخدم الاستقرار والنمو في آن واحد.
الخطاب المغربي هنا يختلف جذريًا عن نماذج أخرى في الجنوب العالمي، حيث غالبًا ما تقدم العدالة الاجتماعية في مواجهة السوق.

وفي هذا السياق، قدّم أخنوش تصورًا دقيقًا:
اجتماع قوي لا يناقض اقتصادًا منضبطًا.

رابعًا: كأس إفريقيا ومونديال 2030… أكثر من رياضة

ربط نجاح تنظيم كأس إفريقيا بالاستعداد لمونديال 2030 لم يكن مجرد احتفال رياضي، بل شكّل إشارة جيو-اقتصادية ذكية.
في دافوس، يقرأ الحضور هذه الملفات كاختبار لقدرة الدولة على:

  • إدارة مشاريع معقدة
  • احترام الآجال
  • تنسيق المؤسسات
  • ضمان الاستقرار اللوجستي والأمني

وبالتالي، تتحول الرياضة هنا إلى أداة قوة ناعمة، وإلى شهادة غير مباشرة على نضج الدولة.

خامسًا: لغة الجسد… حين يتكلم الصمت

لغة الجسد في مداخلة أخنوش شكّلت جزءًا من الرسالة:
هدوء، حركات مدروسة، غياب الانفعال، ونبرة متوازنة.
كل ذلك يعكس متحدثًا لا يسعى للإقناع بقدر ما يعرض واقعًا يثق فيه.

وعليه، يقرأ المنتديات الدولية هذا النوع من الحضور كدليل على السيطرة على الملفات، لا كتمرين في البلاغة.

لماذا يهم هذا الخطاب العالم؟

لأن النظام الدولي يعيش مرحلة بحث عن شركاء مستقرين، لا عن خطابات لامعة.
وبالتالي، يقدّم المغرب نفسه كدولة:

  • لا تراهن على الصدمات
  • لا تغيّر اتجاهها مع الرياح
  • ولا تبيع وعودًا لا تستطيع الوفاء بها

خلاصة استراتيجية

ما حدث في دافوس لم يكن دفاعًا عن سياسات، بل شكّل تثبيتًا لصورة دولة.
المغرب لم يرفع صوته… لكنه أوصل رسالته.
وفي عالم مضطرب، قد تكون هذه أخطر أشكال القوة.

ملحق تحريري (1): درس مقارن دولي

لماذا تنجح “الدول الهادئة” حيث تفشل الدول الصاخبة؟

في السنوات الأخيرة، قدّمت تجارب دولية عديدة نموذجًا معاكسًا لما عرضه المغرب في دافوس.
في المقابل، اختارت بعض الدول الناشئة الخطاب المرتفع، والوعود السريعة، والإصلاحات المتسرعة، فحصدت اهتمامًا إعلاميًا لحظيًا… لكنها فقدت ثقة الأسواق على المدى المتوسط.

وعليه، تُظهر تجارب مثل فيتنام أو تشيلي — بدرجات متفاوتة — أن الاستقرار السياسي، وضوح الرؤية، وتدرّج الإصلاح عوامل أكثر تأثيرًا من البلاغة السياسية.
وهكذا، يضع الخطاب المغربي ضمن مدرسة “القوة الهادئة”، حيث تُبنى المصداقية بمرور الزمن، لا عبر الصدمات.

وبالتالي، لا يصنع هذا التموضع عناوين صاخبة، لكنه يصنع شراكات طويلة الأمد — وهي العملة الحقيقية في عالم مضطرب.

ملحق تحريري (2): التحدي الصامت

حين تصبح الصورة الدولية التزامًا داخليًا

لكن هذا التموضع الدولي الهادئ لا يخلو من مخاطره.
على الرغم من ذلك، كلما ارتفعت صورة المغرب كشريك موثوق في الخارج، ارتفعت معها توقعات الداخل.
وفي الوقت ذاته، قد تتحول الفجوة بين الخطاب الدولي والنتائج الاجتماعية الملموسة، إن لم تُدار بحذر، إلى نقطة توتر.

وبالتالي، يكمن التحدي الحقيقي ليس في إقناع دافوس، بل في تحويل الثقة الدولية إلى أثر اجتماعي ملموس:
فرص شغل، تحسين القدرة الشرائية، وتقليص الإحساس بعدم العدالة.
هنا فقط يُختبر صدق “الدولة الهادئة”، لا في المنتديات العالمية، بل في الحياة اليومية للمواطن.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار