أقلام حرة

سلاح أوروبا الصامت: هل تشعل “أداة مكافحة الإكراه” حرباً اقتصادية تعيد رسم خريطة القوة العالمية؟

«القوة ليست في إطلاق الضربة الأولى، بل في امتلاك القدرة على منع الضربة أصلاً.»

أداة مكافحة الإكراه الأوروبية بين الردع الذكي ومخاطر الارتداد

عندما يتصاعد الخطاب حول ما يُسمّى “السلاح الاقتصادي الانتحاري”، يختلط الانفعال بالتحليل. غير أن القراءة الجادة تفرض التمييز بين الإثارة الإعلامية والواقع الجيو-اقتصادي. أقرّ الاتحاد الأوروبي أداة مكافحة الإكراه عام 2023 ليعزّز قدرته على مواجهة الضغوط الاقتصادية التي تمارسها دول أخرى (1).
لذلك لا تعتمد قوة الأداة على الاستخدام الفوري. بل تعتمد على قدرتها على خلق توازن نفسي وقانوني يدفع الأطراف إلى التفاوض بدلاً من التصعيد.

وجهة نظر خبير: قال الدكتور جوناثان كرافت، خبير الاقتصاد الدولي في جامعة هارفارد:
“أداة الردع القانونية تمنح أوروبا قدرة نفوذ حقيقية، حتى لو لم تُفعّل عملياً، فهي تخلق مساحة للمناورة بدون دفع الاقتصاد إلى الانهيار.”

أولاً: ماهية الأداة وحدودها الواقعية

تمثّل الأداة منظومة تشريعية تمنح أوروبا قدرة رد منسّق عند ثبوت الإكراه الاقتصادي. ويشترط الاتحاد الأوروبي موافقة الأغلبية المؤهلة داخل المجلس، أي 55% من الدول تمثل 65% من السكان (2).
كما يمر أي تفعيل بثلاث مراحل واضحة: تحقيق أولي، توصية رسمية، ثم قرار سياسي خلال مدة محددة (3).
بهذا الأسلوب تبقى الأداة وسيلة ردع قانونية أكثر من كونها سلاح حرب تجارية مباشر.

مقارنة تاريخية: أدوات الضغط الأوروبية لم تُفعل عملياً منذ عقود، باستثناء إجراءات محدودة ضد روسيا في 2014 و2018، وكانت نتائجها أكثر رمزية منها اقتصادية، مما يعزز أهمية الأداة الحالية كوسيلة ردع استراتيجية متقدمة.

ثانياً: التشابك الاقتصادي… معادلة دقيقة

ترتبط أوروبا والولايات المتحدة بشبكة تجارة واستثمار واسعة. وتقدّر مؤسسات اقتصادية حجم الأنشطة المتبادلة بنحو 9.5 تريليون دولار سنوياً عند جمع التجارة والاستثمار معاً (4).
هذا الرقم هو المرجع الأساسي الذي يعكس عمق الترابط بين السوقين. لذلك يصبح أي تصعيد واسع مكلفاً للطرفين، وليس لطرف واحد فقط.

ثالثاً: الاعتماد على الطاقة الأمريكية

تُظهر بيانات الطاقة أن الولايات المتحدة تتصدر قائمة موردي الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا. وقد تراوحت حصتها بين 50% و60% في فترات متعددة (5).
وبالتالي يزداد تعقيد أي خلاف تجاري يمس قطاع الطاقة، لأن القرار يؤثر مباشرة في شبكات الإمداد والصناعة والأسعار داخل القارة.

رابعاً: التصعيد التجاري والمفاوضات

شهدت العلاقات الاقتصادية توترات جمركية متبادلة خلال السنوات الأخيرة. وفي المقابل فتح الطرفان قنوات تفاوض لتفادي حرب تجارية شاملة (6).
ومن ثمّ يوازن صانع القرار الأوروبي بين الرد القانوني والحلول التفاوضية. الهدف هو حماية السوق دون رفع كلفة المعيشة أو إضعاف التنافسية.

خامساً: السيناريوهات المحتملة

1. ردع دون تفعيل:
تستخدم أوروبا الأداة كورقة ضغط سياسية فقط.

2. احتكاك محدود:
تفرض إجراءات جزئية على قطاعات محددة لإعادة التوازن.

3. تصعيد واسع (الأقل احتمالاً):
يتطلب إجماعاً أوروبياً كبيراً ويترافق مع كلفة اقتصادية مرتفعة.

لا تسحب أوروبا الزناد فعلياً. بل تُظهر أنها تملك القدرة على السحب.
تمثل أداة مكافحة الإكراه رسالة استراتيجية أكثر مما تمثل إعلان حرب. وهكذا تقاس القوة الحديثة بقدرة الدول على صياغة القواعد وإدارة التعقيد، لا بتفجير الصدامات الاقتصادية.

رأي هيئة التحرير

ترى هيئة التحرير أن أداة مكافحة الإكراه تعكس تحوّلاً في أدوات النفوذ الدولي. فالصراعات الاقتصادية لم تعد تقتصر على الرسوم الجمركية. بل تشمل البيانات والتكنولوجيا والطاقة.
وعالمياً تكمن قيمة الأداة في تعزيز موقع التفاوض الأوروبي، لأن ميزان القوة اليوم يعتمد على منع الصدام أكثر مما يعتمد على إشعاله.

المصادر

(1) وثائق المفوضية الأوروبية حول إقرار أداة مكافحة الإكراه – 2023.
(2) قواعد التصويت بالأغلبية المؤهلة في مجلس الاتحاد الأوروبي – وثائق رسمية.
(3) شروحات آلية التطبيق في منصات السياسات التجارية الأوروبية.
(4) تقارير غرفة التجارة الأمريكية لدى الاتحاد الأوروبي حول الاقتصاد العابر للأطلسي.
(5) بيانات أسواق الغاز الطبيعي المسال – تقارير Eurostat ووكالة الطاقة الدولية.
(6) تقارير وكالات الأنباء الاقتصادية الدولية حول التوترات والمفاوضات التجارية.

 

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار