أقلام حرة

شهداء صنعوا الوطن… فمن يتذكر أبناءهم؟

شهداء حرب الصحراء المغربية

في كل مرة تُفتتح فيها طريق سيار جديدة، أو يُدشَّن مشروع تنموي كبير، أو ترتفع بناية حديثة في إحدى مدن المملكة، يتجدد شعور المغاربة بالفخر بما تحقق من منجزات جعلت المغرب يخطو بثبات نحو المستقبل.

غير أن خلف هذه الصورة المشرقة تختبئ حكايات أخرى أقل ظهورًا في الإعلام، وأشد حضورًا في الوجدان؛ حكايات أسر فقدت آباءها وأبناءها في سبيل الوطن، ثم وجدت نفسها، مع مرور الزمن، تكافح ضد النسيان أكثر مما تكافح ضد الفقر أو الحاجة.

لقد قدم شهداء حرب الصحراء المغربية أرواحهم في مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة. خرجوا إلى ساحات المواجهة مؤمنين بأن الدفاع عن الوحدة الوطنية واجب مقدس لا يقبل التردد أو الحسابات الشخصية. بعضهم عاد محمولًا على الأكتاف، وبعضهم عاد اسمًا محفورًا على شاهد قبر، لكنهم جميعًا تركوا وراءهم أرامل وأطفالًا وعائلات علقت آمالها على وطن اعتقدت أنه لن ينسى أبناءه.

مرت السنوات، وتعاقبت الحكومات والمسؤولون، وتغيرت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بينما بقيت أسئلة كثيرة معلقة دون أجوبة شافية: ماذا تحقق فعليًا لأبناء الشهداء؟ وأين وصلت ملفاتهم الاجتماعية؟ وهل يرقى ما حصلوا عليه إلى حجم التضحيات التي قدمها آباؤهم؟

المفارقة المؤلمة أن أبناء كثير من الشهداء لم يعودوا أولئك الأطفال الذين كانت الدولة تعدهم بمستقبل أفضل. لقد شابت رؤوسهم، وكبر أبناؤهم، وبعضهم دخل مرحلة التقاعد أو اقترب منها، وما زالوا ينتظرون تسوية ملفات، أو تنفيذ حقوق، أو الحصول على تعويضات رمزية تعبر عن الامتنان الوطني لتضحيات آبائهم وذويهم.

إن القضية لم تعد قضية مساعدات مادية فقط، بل أصبحت قضية ذاكرة وطنية وعدالة معنوية. فالأمم العظيمة لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، بل تُبنى أيضًا بالوفاء لمن دفعوا ثمن بقائها واستقرارها.

لقد شهد المغرب خلال العقود الأخيرة نهضة عمرانية واقتصادية لافتة، وأصبح نموذجًا في العديد من الأوراش الكبرى، لكن أي نهضة تظل ناقصة إذا لم تمتد آثارها إلى الفئات التي قدمت أغلى ما تملك من أجل أن تنعم البلاد بالأمن والاستقرار والتنمية.

إن أبناء الشهداء لا يطلبون المستحيل، ولا ينازعون أحدًا في حقوقه، ولا يرفضون تكريم أي فئة أخرى من أبناء الوطن. كل ما يطلبونه هو أن يجدوا لأنفسهم مكانًا في ذاكرة الدولة وضمير مؤسساتها، وأن يشعروا بأن تضحيات آبائهم لم تتحول، مع مرور الزمن، إلى مجرد صفحات مطوية في أرشيف التاريخ.

فحين يشيخ أبناء الشهداء وهم ينتظرون الإنصاف، يصبح السؤال موجهًا إلينا جميعًا:

هل أوفينا حقًا لمن صنعوا بدمائهم جزءًا من تاريخ هذا الوطن؟

رحم الله شهداء المغرب كافة، وجعل الوفاء لهم ولأسرهم التزامًا وطنيًا لا يسقط بالتقادم، ولا تذروه رياح النسيان.

بقلم: عبد السلام عبد النبي
ابن شهيد حرب الصحراء المغربية

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار