علم فلسطين فوق برج إيفل: عندما يتحول النضال المحلي إلى صرخة عالمية ضد الظلم
تتجاوز مشاهد رفع الراية الفلسطينية في الشوارع الأوروبية، وتحديداً ذلك الفعل الرمزي الجريء الذي نفذه نشطاء (من بينهم حركات بيئية مثل “تمرد الانقراض”) بتعليق العلم الفلسطيني على برج إيفل في باريس، مجرد التضامن العابر مع قضية جغرافية بعيدة. إنها ظاهرة سوسيولوجية وسياسية تستدعي التوقف والتأمل؛ فلماذا تحول العلم الفلسطيني بالتحديد إلى أيقونة تتصدر المشهد الاحتجاجي المناهض للسياسات الحكومية والرئيس إيمانويل ماكرون؟
لم يعد العلم الفلسطيني في الوعي الجمعي الأوروبي مجرد رمز لدولة تحت الاحتلال، بل ترسخ ك”بوصلة أخلاقية عالمية” تقيس مدى نزاهة الحكومات الغربية والتزامها بشعاراتها البراقة حول حقوق الإنسان والديمقراطية. عندما يخرج المواطن الأوروبي – والفرنسي تحدداً – للاحتجاج ضد غلاء المعيشة، أو سياسات التقشف، أو القرارات السياسية الداخلية المأزومة، فإنه يصطدم بازدواجية معايير واضحة لدى حكومته التي تنادي بالحرية محلياً وتدعم القهر والاحتلال دولياً. من هنا، يصبح رفع الراية الفلسطينية تعبيراً عن رفض شامل لمنظومة “الظلم المؤسسي” بأبعاده المحلية والعالمية.
اختيار برج إيفل – رمز الجمهورية الفرنسية وعنوان “بلاد الأنوار والحرية والمساواة والأخوة” – لرفع العلم الفلسطيني لم يكن عبثياً. إنه رسالة سياسية بامتياز موجهة مباشرة إلى قصر الإليزيه وصناع القرار؛ مفادها أن الرمزية التاريخية لفرنسا تفقد بريقها عندما تصمت السلطة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في غزة وفلسطين. لقد أراد النشطاء وضع الدولة أمام مرآة تناقضاتها، محولين المعلم السياحي الأشهر في العالم إلى منصة صرخات مدوية للمهمشين والمقهورين.
شهدت الاحتجاجات الأخيرة في فرنسا انخراطاً واسعاً لتيارات مختلفة (نشطاء مناخ، نقابات عمالية، حركات شبابية) تجمعت كلها تحت مظلة السخط على الأداء الحكومي. هذا التقاطع يكشف عن ديناميكية جديدة: عولمة الغضب. فالشباب النشطاء في حركات البيئة وحقوق الإنسان باتوا يربطون بين استنزاف كوكب الأرض، واستبداد الأنظمة الرأسمالية، واستمرار حروب الإبادة والاستعمار الاستيطاني. العلم الفلسطيني يمثل بالنسبة لهم القاسم المشترك الأعظم لكل من يعارض منطق القوة والقمع في وجه الحق والعدالة.
إن حضور راية فلسطين بكثافة في شوارع فرنسا وأزقتها، وصولاً إلى قمة برج إيفل، يعكس تحولاً عميقاً في الوعي الأوروبي الشبابي. لقد أصبحت القضية الفلسطينية رمزاً لكل مظلوم يبحث عن حقه في تقرير مصيره، وأداة احتجاج فعالة لفضح النفاق السياسي الرسمي. وبينما تقابل السلطات الفرنسية هذه التحركات بالإجراءات الأمنية والاعتقالات، فإن اتساع رقعة هذه الاحتجاجات يؤكد أن جذوة التضامن الإنساني لن تُطفأ بالقرارات الإدارية، بل تزداد اشتعَالاً كلما شعرت الشعوب باتساع الهوة بين قيمها الحقيقية وممارسات حكوماتها.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار