أقلام حرة

عندما تتحول الكفاءات الداخلية إلى ضحايا لسياسات التوظيف

ليس من السهل على أي مؤسسة أن تبني رأسمالاً بشرياً قوياً. فالكفاءات لا تُشترى جاهزة دائماً من السوق، بل تُصنع عبر سنوات من التجربة والتكوين والتراكم المهني. لذلك، فإن أول مؤشر على صحة أي مؤسسة هو قدرتها على تثمين مواردها البشرية ومنحها فرص التطور والترقي.

في هذا السياق، يثير إعلان القرض الفلاحي للمغرب عن فتح باب التوظيف لشغل مناصب مسؤولين متخصصين في مجال التحصيل الكثير من التساؤلات داخل المؤسسة. فبدل البحث أولاً عن الكفاءات المتوفرة بين جدران البنك، يبدو أن الخيار اتجه نحو استقطاب موارد خارجية، رغم وجود أطر راكمت خبرة طويلة في هذا المجال وتعرف تفاصيله الدقيقة.

المشكلة ليست في التوظيف الخارجي في حد ذاته، فهو حق مشروع لأي مؤسسة تسعى إلى استقطاب كفاءات جديدة. لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الخيار إلى قاعدة دائمة على حساب الموظفين الذين أفنوا سنوات من العمل والعطاء داخل المؤسسة دون أن يجدوا الاعتراف المهني الذي يستحقونه.

إن تجاهل الكفاءات الداخلية يخلق شعوراً بالإحباط ويفقد الموظفين الثقة في مسارهم المهني. وعندما يشعر الإطار بأن خبرته لم تعد ذات قيمة داخل مؤسسته، فإنه يبحث بطبيعة الحال عن بدائل أخرى، سواء داخل المؤسسة نفسها أو خارجها. وهنا تبدأ المؤسسة في فقدان أحد أهم أصولها: الخبرة المتراكمة.

الأكثر خطورة أن هذا الوضع قد يدفع العديد من الأطر إلى مغادرة تخصصاتهم الأصلية نحو مجالات أخرى، ليس بدافع التطور المهني فقط، بل هروباً من حالة الجمود التي يعيشونها. وبدل أن تستفيد المؤسسة من خبرات جاهزة ومتمرسة، تجد نفسها مضطرة لإعادة تكوين موظفين جدد أو استقدام عناصر خارجية تحتاج إلى وقت للتأقلم وفهم ثقافة المؤسسة.

إن نجاح أي سياسة للموارد البشرية لا يقاس بعدد التوظيفات الجديدة، بل بقدرتها على اكتشاف الطاقات الموجودة داخل المؤسسة وتوفير الظروف التي تسمح لها بالتألق والعطاء. فالكفاءة التي تنمو داخل المؤسسة غالباً ما تكون أكثر ارتباطاً بأهدافها وأكثر فهماً لتحدياتها.

اليوم، يبدو أن القرض الفلاحي للمغرب مطالب أكثر من أي وقت مضى بإعادة النظر في هذا التوجه، وإعطاء إشارات واضحة لموظفيه بأن خبراتهم محل تقدير وأن أبواب التطور المهني ليست مغلقة أمامهم. فالمؤسسات لا تُبنى فقط بالاستثمارات والأرقام، بل تُبنى أيضاً بالثقة والإنصاف والاعتراف بالكفاءات.

هل ستنجح المؤسسة في الحفاظ على رأسمالها البشري وتعزيز ولائه، أم أن نزيف الكفاءات سيستمر في صمت إلى أن تظهر نتائجه على الأداء والمردودية؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار