كرة شاملة بلا ظل… هزيمة المغرب تزيح كومان وتطوي صفحة من تاريخ “الطواحين”
في مشهد يليق بنهاية عصر، سقطت “الكرة الشاملة” الهولندية على يد منتخب المغرب، لتعلن استقالة رونالد كومان وتفتح النقاش مجدداً حول هوية كرة القدم الهولندية.
لم تكن مجرد مباراة خروج من دور الـ32، بل كانت محطة فارقة في تاريخ كرة القدم الهولندية. فبعد التعادل 1-1 في مونتيري، وحسم المنتخب المغربي لنيران البنادق 3-2، اختار المدرب رونالد كومان الرحيل، مطفئاً بذلك آخر أضواء حقبة يمكن وصفها بأنها “الكرة الشاملة الباهتة”.
أعلن كومان استقالته عبر حسابه على إنستغرام، معترفاً بأن الحلم انتهى، ومحملاً نفسه مسؤولية الفشل . لكن تصريحاته كشفت عن عمق الأزمة؛ فبينما كان الجميع ينتظر نهجاً هجومياً، فاجأ المدرب الجميع بتشكيلة دفاعية بخمسة مدافعين، وهو ما اعترف المدرب المغربي محمد الواحي بأنه “فاجأه” .
لم يتردد كومان في الدفاع عن خياراته قائلاً: “لو لم يسجل المغرب هدف التعادل المتأخر، لكان الجميع أشاد بي، لكن الآن سينتقدونني لاختياري خمسة مدافعين” . هذا التبرير يكشف حقيقة مؤلمة: الخوف طغى على فلسفة “المجموع” التي نشأت عليها هولندا.
قاد كومان المنتخب في فترتين، وترك بصمة بتأهيل جيل من اللاعبين مثل فرينكي دي يونغ، إلا أن انتقادات اتباعه النهج الدفاعي طاردته طوال ولايته الثانية . المباراة ضد المغرب لم تكن مجرد خيار تكتيكي، بل كانت انعكاساً لفلسفة تراجعت فيها “الكرة الشاملة” لتصبح مجرد شعار تاريخي، بينما تحول الأداء إلى براغماتية دفاعية تليق بالفرق الصغرى، لا بطرف ابتكر أجمل كرة قدم في السبعينيات .
الخروج المبكر من المونديال، والأداء الباهت، وغياب الروح الهجومية، كلها علامات تشير إلى أن المفهوم الكروي الذي أسسه رينوس ميتشلز ويوهان كرويف قد مات سريرياً. لم تعد “الكرة الشاملة” تعني التضحية والضغط العالي والتبادل المرن، بل أصبحت ذكرى جميلة تتناقض مع واقع دفاعي تخلى فيه كومان عن كل المبادئ لإنقاذ النتيجة .
استقالة كومان، التي جاءت أيضاً لأسباب شخصية تتعلق بمرض زوجته، تفتح الباب أمام مراجعة شاملة لمنتخب “الطواحين” . السؤال الأهم الآن: هل يبحث الاتحاد الهولندي عن مدرب يعيد إحياء المدرسة القديمة، أم يستمر في نهج البراغماتية الذي اختاره كومان وفان غال سابقاً؟
حقيقة أن هولندا ودعت كأس العالم من دور الـ32 لأول مرة منذ زمن، وأن هذا الخروج جاء على يد منتخب مغربي يلعب كرة قدم انسيابية أقرب إلى الروح الهولندية، يضيف مزيداً من السخرية للموقف.
في النهاية، لم يخسر كومان مباراة فقط، بل خسرت هولندا هويتها الكروية أمام جيل مغربي كتب فصلًا جديدًا في تاريخه، بينما أنهى الفصل الأخير من قصة “الكرة الشاملة” التي طالما تغنى بها العالم.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار