ما بعد المينورسو: الصحراء المغربية وهندسة النظام الإقليمي لغرب المتوسط!
الحدث لم يكن مجرد سقوط لقرار في مجلس الأمن، بل إيذاناً بسقوط “الستاتيكو” (الوضع القائم) برمته. وما يؤكد أن الخطوة لم تكن وليدة ارتجال دبلوماسي هو سرعة وثبات ردود الفعل؛ فصدور بلاغ الديوان الملكي المغربي بعيد الجلسة مباشرة معتبراً إنهاء مهمة البعثة خطوة نحو الطي النهائي للملف داخل أروقة الأمم المتحدة، بصياغة متماسكة ومحسوبة بدقة، يعكس فهماً مسبقاً لمسارات اللعبة. وتؤكد تقارير تقاطعت عندها دوائر التحليل أن التنسيق الخفي والتواصل الاستباقي (عبر قنوات مثل ما أوردته صحيفة Le Desk بشأن إبلاغ موسكو للرباط بنواياها) يعكسان أن القوى الكبرى تدير ملفات الصراع الإقليمي وفق حسابات تتقاطع فيها المصالح وتتجاوز السقوف التقليدية للخصومة.
إن المقاربة الاستراتيجية السليمة تفترض قراءة ما جرى في نيويورك كامتداد عضوي لديناميكيات جغرافية-سياسية أوسع تتحرك على محاور امتداد من عمق الساحل الإفريقي (النيجر نموذجاً) وصولاً إلى الواجهة الأطلسية للصحراء المغربية (العيون والداخلة). فالساحل الإفريقي يشهد إعادة هندسة جذرية للخرائط والتحالفات، تتسم بتراجع النفوذ الغربي التقليدي (الفرنسي تحديداً) وتمدد الحضور الروسي والأفريقي الباحث عن السيادة الاقتصادية والأمنية. في المقابل، صاغ المغرب استراتيجية استباقية قائمة على الإدماج الجيواقتصادي، تجسدت في مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، إلى جانب مشاريع هيكلية كبرى كميناء الداخلة الأطلسي وأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب.
بهذا المعنى، انزاحت قضية الصحراء من إطارها الضيق كنزاع ترابي تقليدي مفتعل، لتتمركز في قلب تقاطعات الأمن الطاقي، والتجارة الدولية، والممرات الاستراتيجية العابرة للقارات. ومن يمسك بمفاتيح الاستقرار في هذه الواجهة، يتحكم في عقدة الوصل بين إفريقيا العميقة، الفضاء الأطلسي، والأمن الأوروبي.
إن قراءة الخطوة الروسية باعتبارها مجرد “انحياز تكتيكي” للأطروحة الانفصالية تعد قراءة قاصرة. فموسكو ظلت لسنوات تكتفي بالامتناع عن التصويت دون تعطيل القرارات، محتفظة بشعرة معاوية مع الرباط. ما استجد حقاً هو أن المشروع الأممي المطروح حمل بصمة واضحة لواشنطن، في سياق دولي مشحون ترفض فيه روسيا منح الإدارة الأمريكية انتصارات مجانية، فضلاً عن إرسال رسالتين متوازيتين: رسالة وفاء حذرة لحليفتها العسكرية التقليدية (الجزائر) بأنها لم تسقطها من حسابات الدعم الرمزي والدبلوماسي وضمان استمرار تدفق صفقات السلاح معها ورسالة أخرى استراتيجية لواشنطن مفادها أن هندسة النظام الإقليمي لغرب المتوسط والساحل لا يمكن أن تكون حكراً على واشنطن أو بمعزل عن المصالح الروسية المتنامية في إفريقيا. في المقابل، فإن إبلاغ الرباط مسبقاً بالخطوة يعكس براغماتية موسكو في الحفاظ على شراكة استراتيجية واقتصادية واعدة مع المغرب، كقوة إقليمية صاعدة لا يمكن تجاوزها في معادلات الساحل والأطلسي.
في خضم هذا المخاض، تظهر الدبلوماسية المغربية إدارة محكمة لقطع الشطرنج الدولية. فقد نجح المغرب على مدى السنوات الأخيرة في بناء رصيد استراتيجي متين، توج بالاعتراف الأمريكي (2020)، مروراً بالتحولات الإسبانية والفرنسية والبريطانية، وصولاً إلى قرار مجلس الأمن 2797 الذي رسّخ مبادرة الحكم الذاتي كمرجعية أساسية وحيدة للتسوية. وفي الوقت ذاته، حافظت الرباط على استقلالية قرارها الاستراتيجي من خلال إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وفاعلة مع موسكو وبكين. هذه هي “الدبلوماسية العضوية” التي تميز القوى المتوسطة الناجحة في النظام الدولي متعدد الأقطاب: ألا تتحول إلى تابع لمحور معين، بل أن تفرض نفسها كشريك لا غنى عنه لكل المحاور الدولية الكبرى.
في الضفة المقابلة، جاء بيان الخارجية الجزائرية الصادر في 31 أكتوبر ليكشف عن مأزق استراتيجي يعاني منه صانع القرار الجزائري؛ خطاب رهين أطر كلاسيكية تجاوزها التاريخ، مكتفياً بالتعبير عن الأسف والتمسك الشكلي بحرف “R” المحيل إلى “الاستفتاء” في تسمية البعثة. إن هذه الحساسية المفرطة تجاه تفاصيل لغوية تختصر عجزاً هيكلياً عن مجاراة التحولات الدولية، ليبقى السؤال الاستراتيجي الذي طرحه الدبلوماسي المغربي عمر هلال قائماً ومؤرقاً: بأي صفة تتدخل الجزائر في كل تفصيل من تفاصيل الملف وهي تصر رسمياً على تقديم نفسها كـ”طرف ملاحظ” فحسب. والمفارقة الكبرى أن الجلسة انتهت بخسارة مزدوجة للجزائر, فالفيتو الروسي وإن أسقط المشروع الأمريكي، إلا أنه لم يحيِ البعثة بصيغتها الاستهلاكية القديمة، بل سرّع في دفن إطار بأكمله طالما وظِف لعرقلة الاندماج المغاربي.
ومع ذلك، تقتضي الرزانة السياسية الاعتراف بأن مرحلة ما بعد المينورسو تطرح تحديات ميدانية واضحة، لعل أبرزها ضمان اليقظة العسكرية وضبط وقف إطلاق النار غياب الرقابة الميدانية للبعثة، فضلاً عن تحويل الرصيد الدبلوماسي (أغلبية الأصوات الـ11) إلى واقع جيوسياسي جديد. يوم 30 أكتوبر أثبت أن من يمتلك رؤية واستراتيجية استباقية لما بعد الطاولة يحدد مسار اللعبة، بينما يبقى رهائن الخطابات الخشبية يتجرعون مرارة البيانات الانفعالية.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار