وهم “الأممية القومية”: عندما تنقلب “الترامبية” على حلفائها!
هل يمكن لحركة تقوم على تمجيد الحدود أن تتعثر لأن زعيمها الذي ألهمها قرر فجأة تجاوز حدود الآخرين؟ خلال السنوات الأخيرة، بدا لكثيرين أننا أمام نشوء ما يشبه “أممية قومية” جديدة؛ شبكة عابرة للقارات يتبادل فيها قادة اليمين المتشدد الإشارات السياسية فوق أنقاض النظام الليبرالي القديم. من بودابست إلى برلين، ومن لندن إلى واشنطن، اعتقد هؤلاء القادة أنهم وجدوا في دونالد ترامب الأب الروحي القادر على إعادة زمن القوميات. لكن ما حدث فعلياً كان مختلفاً تماماً؛ فكرة واحدة طرحها ترامب كانت كافية لتفكيك هذا التصور، وكشفت التناقض العميق بين القومية كمشروع لاستعادة سيادة الأمة، وبين الترامبية كنهج يضع السيادة في يد الفرد وحده.
لنتوقف عند محاولة شراء جزيرة جرينلاند بوصفها مثالاً واضحاً. لم تكن مجرد نزوة دبلوماسية أو طرفة سياسية كما قيل، بل تعبيراً صريحاً عن رؤية لا تعترف فعلياً بسيادة الآخرين. عند هذه النقطة اصطدم النموذج الذي ألهم اليمين المتشدد بحلفائه الأوروبيين في قلب المجال الذي يفترض أنه يتقاطع معهم فيه. فبينما يرفع القوميون الأوروبيون شعار السيادة الوطنية ويرفضون تدخل بروكسل في شؤونهم، تعامل ترامب مع دولة أوروبية ذات سيادة مثل الدنمارك كما لو كانت عقاراً قابلاً للبيع.
هذا الاحتكاك أعاد إلى الواجهة حقيقة تاريخية معروفة: القومية المتشددة حين تتمدد لا تترك مجالاً لندّ مكافئ. ترامب لا يمارس القومية بمعناها السياسي المرتبط بالأمة كجماعة، بل يمارس نمطاً فردانياً يرى العالم كسوق صفقات. وعندما طرح فكرة شراء جرينلاند لم يكن يتصرف ضمن منطق التجارة الدولية بقدر ما كان يعبّر عن تصور توسعي داخل فضاء الحلفاء أنفسهم. وقد أثار ذلك استياء قوميين أوروبيين رأوا في الأمر مساساً بمبدأ السيادة الذي يدافعون عنه، وأدركوا أن شعار “أمريكا أولاً” يعني عملياً أن سيادتهم تأتي لاحقاً في سلم الأولويات.
خلف خطاب التضامن الأيديولوجي، يتبع ترامب منطق القوة المباشرة. فهو لا يتعامل مع السيادة كحق متساوٍ، بل كامتياز تحدده موازين القوة. ويمكن ملاحظة ذلك في علاقته مع بوريس جونسون خلال مرحلة بريكست؛ إذ شجع البريطانيين على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، ووعدهم باتفاقية تجارية كبرى تعوض خسارة السوق الأوروبية. لكن بعد الانفصال، واجهت لندن شروطاً تجارية أمريكية صارمة، لتجد نفسها في موقع تفاوضي أضعف مما توقعته. المشهد ذاته تكرر مع حكومة فيكتور أوربان في المجر. فبرغم التقارب الأيديولوجي، اكتشفت بودابست أن المصالح الأمريكية قد تتقدم في أي لحظة على أي تقارب سياسي. لقد وقع القوميون الأوروبيون في فخ تصور رومانسي لتحالف دولي، ظنوا فيه أن ترامب سيقود مشروعاً منسقاً، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام زعامة فردية لا تتردد في التضحية بحلفائها عند الحاجة.
المفارقة التي يبرزها هذا النهج أن القومية بطبيعتها تقوم على الاستثناء أكثر مما تقوم على الشراكة. ترامب يسعى إلى تحصين الولايات المتحدة بالحدود والرسوم الجمركية، لكنه في الوقت ذاته يريد نظاماً دولياً منفتحاً أمام شروطه الخاصة. السيادة، في هذا التصور، حق أمريكي بالدرجة الأولى، بينما يُعاد تعريفها لدى الآخرين بما يخدم ميزان القوة.
من هذه الزاوية، لم يعزز ترامب اليمين الأوروبي بقدر ما وضعه أمام تناقضاته. فقد تحولت القومية من مشروع لإحياء السيادة الوطنية إلى ممارسة صراعية خشنة في العلاقات الدولية، وهو ما دفع بعض التيارات المحافظة الأوروبية إلى إعادة النظر في الرهان عليه. بحثوا فيه عن قوة تدعم موقفهم ضد العولمة، فواجهوا رؤية فردية ترى الحلفاء أدوات ظرفية أكثر من كونهم شركاء متكافئين. وفي هذا الإطار، تبدو القومية حقاً حصرياً للأقوى، بينما تصبح لدى الآخرين عقبة أمام صفقات القوة.
في المحصلة، يصعب وضع ترامب ضمن مدرسة فكرية تقليدية؛ فهو لا يندرج تماماً ضمن القومية الكلاسيكية ولا ضمن الليبرالية الاقتصادية المعتادة. هو ببساطة ينتمي لـما يمكن تسميته بالترامبية وهي مدرسة تقوم على فكرة أن الشراكة علامة ضعف، وأن الاعتراف بالندية تنازل غير ضروري. وقد اعتقد بعض القادة أنهم جزء من مشروع عالمي مشترك، لكنهم وجدوا أنفسهم لاحقاً يواجهون واقعاً أكثر براغماتية وأقل التزاماً. لا توجد “أممية” يمكن أن تحتوي شخصاً يرى العالم من خلال مرآته الخاصة فقط.
وهكذا تراجعت صورة التضامن اليميني الأيديولوجي لتحل محلها حسابات القوة المباشرة. لم يعد معيار العلاقة هو التقارب الفكري بقدر ما هو حجم المصلحة. وفي الوقت الذي يسعى فيه ترامب لاستعادة موقع متقدم في النظام الدولي، تبدو معضلة الثقة حاضرة بقوة. فقد يستطيع الفاعل السياسي تحقيق مكاسب آنية، لكن استدامة النفوذ تبقى رهينة بقدرة الآخرين على الوثوق به. وفي العلاقات بين الدول، لا يوجد مأزق أكبر من امتلاك قوة كافية لإثارة القلق، مع نقص الثقة الكافي لبناء شراكات مستقرة.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار