الحي الصناعي لأولاد تايمة.. حين تئن الآلات وتصرخ الكلاب
في عالمنا المغربي، ترتبط المصانع في الأذهان بصورة الحركية الدؤوبة، وعمال يرتدون البزات الزرقاء يتدفقون صباحاً ومساءً، وآلات تصدر ضجيجاً يخترق جدران الوحدات الصناعية. لكن في “الحي الصناعي لأولاد تايمة”، تبدو الصورة مختلفة تماماً.
عندما تتصفح موقع فيسبوك، تجد صفحة تحمل اسم “الحي الصناعي لأولاد تايمة”، تروّج لمنطقة صناعية واعدة، وتستعرض وحداتها المهيأة، وطرقها المعبدة. لكنك إن زرت المكان على أرض الواقع، ستكتشف فجوة كبيرة بين الصورة الافتراضية والحقيقة المعاشة.
ففي الواقع، تحولت هذه المنطقة إلى مجرد مستودعات عملاقة تُستخدم لتخزين السلع والمواد الأولية لشركات تمتلك مصانعها الحقيقية في مدن أخرى. تحولت المصانع إلى “كراجات” للتخزين، وفقدت هويتها الإنتاجية، وتحولت من قلب نابض بالحياة إلى جسد خاوٍ من الروح.
ما يثير الدهشة حقاً هو ذلك المشهد الغريب: حي صناعي بلا عمال، بلا حركية صباحية تضج بوصول الشاحنات، وبلا حركية مسائية تعيد العمال إلى بيوتهم منهكين. المكان يكسره الصمت، ولا يكسر هذا الصمت سوى نباح الكلاب التي تتخذ من الزوايا المهجورة والمرائب الخاوية مأوى لها.
إنه مشهد سوريالي بحق: كلاب تتجول بين وحدات صناعية صممت لتنتج، بينما تختبئ خلف أبوابها المغلقة كميات هائلة من البضائع التي لا تنتظر سوى شاحنة لنقلها بعيداً. ليست هناك حياة، ولا همهمة عمال، ولا رائحة الزيوت والوقود، بل فقط غبار يتراكم على جدران صامتة، وكلاب تعوي في الليل وكأنها تحكي حكاية مكان ضاع فيه الأمل.
هذه الظاهرة تطرح العديد من التساؤلات حول جدوى إنشاء مناطق صناعية بهذا الشكل، وهل كان التخطيط لهذه المنطقة يراعي متطلبات الاستثمار الحقيقي، أم أنه كان مجرد مشروع عقاري مقنّع بثوب صناعي؟ ولماذا تُمنح التراخيص لشركات لإنشاء وحدات صناعية في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة، أو القرب من اليد العاملة؟
إن تحول الحي الصناعي إلى مجرد مخازن، يُفقد المنطقة دورها التنموي، ويهدر فرصاً حقيقية لخلق فرص الشغل، ويعزز ثقافة الريع على حساب الإنتاج. فالمغرب اليوم في أمس الحاجة إلى صناعة حقيقية تخلق قيمة مضافة، وليس إلى مستودعات تزيد من تكاليف التخزين والنقل دون أن تترك أثراً في الناتج المحلي أو في حياة المواطن.
إن صورة الكلاب وهي تنبح في حي صناعي مفترض، صورة تستدعي التوقف والتفكير. إنها تذكرنا بأن التنمية ليست مجرد إسمنت وحديد، بل هي روح وإرادة وتخطيط محكم. ولعل حي أولاد تايمة الصناعي يحتاج إلى مراجعة جذرية، سواء بإعادة تأهيله ليكون فعلاً منطقة إنتاجية، أو بإعادة النظر في تصنيفه واستخداماته بما يتناسب مع واقعه.
فالمكان الذي تسكنه الكلاب لا يمكن أن يكون مقبرة للاستثمار، بل يجب أن يكون ورشاً مفتوحة على المستقبل.
يبقى الحي الصناعي لأولاد تايمة نموذجاً لأماكن كثيرة في بلدنا، تحتاج إلى وقفة جادة، وإلى إرادة حقيقية لإعادة الحياة إليها. فالصناعة ليست مجرد مباني، بل هي أيقونة التطور، وطريق العبور إلى اقتصاد منتج ومزدهر. وإلا فستظل الكلاب هي الساكن الوحيد في تلك الوحدات، وستبقى صفحات فيسبوك تروّج لمناطق لا تشبه نفسها في الواقع.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار