الشذوذ الجنسي في المغرب… رحلة استقصائية داخل عالم خفي يثير أسئلة المجتمع والقانون
دفعتني الرغبة في فهم إحدى أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في المجتمع المغربي إلى خوض تحقيق ميداني ورقمي حول ظاهرة الشذوذ الجنسي، وهي قضية تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والدينية والاجتماعية والحقوقية. ففي المغرب، يجرّم القانون العلاقات الجنسية المثلية، كما أن الإسلام، وهو الدين الرسمي للدولة، يحرمها، وهو ما يجعل النقاش حولها مشحوناً ومثيراً للانقسام.
بدأت رحلتي بدخول فضاءات رقمية مغلقة نسبياً، لأكتشف عالماً موازياً لا يظهر للعيان، تتحرك داخله شبكات من الأشخاص الذين يتواصلون فيما بينهم عبر تطبيقات مخصصة للتعارف، وبعضها يتيح، بحسب ما رصدته أثناء التحقيق، ترتيب لقاءات ذات طابع جنسي، بل واستغلالها أحياناً في ممارسات مرتبطة بالدعارة.
أولى المفاجآت كانت وجود تطبيقات ذكية متخصصة في التعارف بين الأشخاص ذوي الميول المثلية، تعمل داخل المغرب دون عراقيل تقنية ظاهرة. ومن خلال استخدامها، يتبين أنها لا تقتصر على التعارف، بل تُستغل، في بعض الحالات التي رصدها التحقيق، لترتيب لقاءات جنسية، وأحياناً لتسهيل ممارسات مرتبطة بالدعارة مقابل مبالغ مالية.
ويثير هذا الواقع تساؤلات حول مدى فعالية الرقابة الرقمية، وحول قدرة المؤسسات المختصة على مواكبة تطور المنصات الإلكترونية التي أصبحت فضاءً لتنظيم أنشطة قد تدخل، بحسب طبيعتها، ضمن أفعال يجرمها القانون.
أظهر التحقيق أن مستخدمي هذه التطبيقات لا ينتمون إلى فئة اجتماعية واحدة. فقد صادفت شباباً في مقتبل العمر، وآخرين من كبار السن، وأشخاصاً من مختلف المستويات الاجتماعية والمهنية، بمن فيهم موظفون وأصحاب أعمال وأشخاص يتمتعون بوضع مادي مريح، إلى جانب أفراد من الفئات الهشة.
كما تبين أن بعض الأشخاص يظهر بمظهر يوحي بميوله، ومنهم من لا تبدو عليه أي علامات في مظهرهم الخارجي مخالفين للصورة النمطية المتداولة، وهو ما يجعل الاعتماد على المظاهر وحدها أمراً غير ذي جدوى.
ومن أكثر ما أثار استغرابي وجود أشخاص متزوجين يمارسون علاقات مثلية بعيداً عن علم شركائهم. هذا المعطى دفعني إلى التساؤل حول الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تترتب على هذه الازدواجية، سواء على الأزواج أو الأبناء، وما إذا كانت هذه العلاقات تشكل تهديداً لاستقرار الأسرة عندما تقوم على الإخفاء والخداع.
ومن بين أخطر ما تم رصده خلال التحقيق، وجود شقق تُستغل لاستقبال الزبائن في إطار الدعارة، حيث يقيم فيها عدد من الشباب، وتستخدم كمكان لاستقبال الراغبين في خدمات جنسية مقابل المال، وفق ما توصل إليه التحقيق, وفي حال ثبوت هذه الوقائع لدى الجهات المختصة، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمسألة الميول الجنسية، وإنما بممارسات قد تدخل ضمن جرائم يعاقب عليها القانون، مثل الدعارة أو استغلال الغير أو غيرها من الأفعال المجرمة بحسب ظروف كل حالة.
ومن خلال هذه الرحلة الاستقصائية، بدا واضحاً أن الفضاء الرقمي أصبح الوسيط الأساسي الذي يجمع أفراد هذه الفئة، إذ توفر التطبيقات الحديثة قدراً كبيراً من السرية وإخفاء الهوية، مما يصعّب من مهمة الرقابة الأمنية، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة التشريعات الحالية على مواكبة التحولات الرقمية.
ينص القانون الجنائي المغربي على تجريم العلاقات الجنسية المثلية، ويقرر لها عقوبات جنائية. ويأتي ذلك في إطار المنظومة القانونية الوطنية التي تستند، في هذا الجانب، إلى المرجعية التي اعتمدها المشرع المغربي. كما أن الشريعة الإسلامية تعتبر الممارسة المثلية من المحرمات، وهو ما يجعل رفضها جزءاً من المرجعية الدينية التي تقوم عليها الدولة والمجتمع المغربي.
بعيداً عن النقاشات الإيديولوجية، يفرض هذا الواقع أسئلة جوهرية حول مسؤولية الأسرة في التربية، والمدرسة في ترسيخ القيم، والمؤسسات الدينية في التوعية، والإعلام في المعالجة الرصينة، والدولة في تطبيق القانون، وحماية القاصرين، والتصدي لكل الممارسات التي تهدد الأمن الأخلاقي للمجتمع. فالتحولات الرقمية المتسارعة جعلت الوصول إلى هذه الشبكات يتم بضغطة زر، وهو ما يفرض تطوير وسائل الرصد والوقاية، وتعزيز التربية الرقمية، حتى لا تتحول المنصات الإلكترونية إلى فضاءات لتسهيل أنشطة مخالفة للقانون.
لم يكن هدفي من هذا التحقيق إصدار أحكام على الأشخاص، وإنما محاولة فهم جزء من واقع خفي لا يراه أغلب الناس. لكن ما توصلت إليه يكشف أن الظاهرة، سواء من خلال التطبيقات أو اللقاءات المنظمة أو بعض مظاهر الدعارة التي تم رصدها، تستحق نقاشاً مؤسساتياً جاداً.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل تواكب السياسات العمومية حجم التحولات التي فرضها العالم الرقمي؟ وهل تمتلك مؤسسات الدولة الوسائل الكافية لتطبيق القانون، والحد من الأنشطة غير المشروعة، وحماية المجتمع، في إطار احترام مقتضيات القانون وثوابت المملكة المغربية؟
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار
تعليقات الزوار ( 1 )
The focus on streamlined UX is key for deep strategy analysis. It’s refreshing how much they optimized the flow. For more deep dives, check out 789b1 legit.