القنيطرة.. مدينة بأكثر من نصف مليون نسمة ومحطة واحدة للقطار!
في الوقت الذي تتجه فيه المدن الكبرى بالمغرب إلى توسيع شبكة النقل السككي وتقريب محطات القطارات من المواطنين، تعود إلى الواجهة بمدينة القنيطرة قضية إغلاق محطة «القنيطرة المدينة»، التي يرى عدد من السكان والمهنيين والفاعلين المحليين أن استمرار إغلاقها لم يعد منسجماً مع التحولات الديموغرافية والعمرانية والاقتصادية التي تعرفها المدينة.
فهل يعقل أن تكون مدينة القنيطرة، التي بلغ عدد سكان جماعتها 507 آلاف و736 نسمة حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، معتمدة عملياً على محطة رئيسية واحدة لاستقبال وتوزيع هذا الحجم من المسافرين، في وقت تتوفر فيه مدن أخرى مماثلة أو مجاورة على أكثر من محطة؟
السؤال لم يعد مجرد مطلب محلي محدود، بل أصبح مرتبطاً بـالعدالة المجالية، وتدبير التنقل الحضري، وتخفيف الضغط عن وسط المدينة، وإنعاش الاقتصاد المحلي.
القنيطرة في مواجهة سلا ومكناس والرباط.. ماذا تقول الأرقام؟
الأرقام السكانية تعطي فكرة واضحة عن حجم التحدي، فجماعة القنيطرة تضم أكثر من 507 آلاف نسمة، بينما تتجاوز جماعة سلا 945 ألف نسمة، وتضم جماعة مكناس حوالي 551 ألف نسمة، في حين يبلغ عدد سكان جماعة الرباط حوالي 515 ألف نسمة وفق معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024.
لكن المفارقة تظهر بشكل أكبر عند النظر إلى توزيع المحطات.
ففي سلا، لا تقتصر الخدمة على محطة سلا المدينة، بل توجد أيضاً محطة سلا تابريكت، التي أعيد فتحها ضمن تعزيز خدمة القطارات، وهي اليوم مدرجة ضمن محطات شبكة ONCF التي يمكن للمسافرين الانطلاق منها أو الوصول إليها.
أما مكناس، فتتوفر على محطتين معروفتين، هما محطة مكناس المدينة ومحطة مكناس الأمير عبد القادر، وهو ما يوفر توزيعاً أفضل للخدمة داخل المجال الحضري.
وفي الرباط، يستفيد المسافرون من شبكة تضم محطات الرباط المدينة والرباط أكدال والرباط الرياض ضمن العرض السككي الحالي، بما يسمح بتوزيع جزء من حركة المسافرين على أكثر من نقطة داخل المجال الحضري.
هذه المقارنة لا تعني بالضرورة أن عدد المحطات وحده هو المعيار الوحيد لقياس جودة النقل السككي، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى ملاءمة توزيع المحطات داخل القنيطرة لحجم السكان وحاجيات التنقل اليومية.
محطة «القنيطرة المدينة».. أكثر من مجرد رصيف للقطار
المطالبة بإعادة فتح المحطة لا ترتبط فقط برغبة المواطنين في الحصول على محطة إضافية.
فموقع محطة القطار «القنيطرة المدينة» يجعلها، في حال إعادة تشغيلها، قريبة من أحياء ومرافق ومناطق تجارية وسط المدينة، وهو ما يمكن أن يخفف عن المواطنين عناء التنقل إلى المحطة الرئيسية.
والنتيجة المحتملة؟
– توزيع أفضل للمسافرين بدل تركيزهم في نقطة واحدة.
فعندما تتجمع حركة آلاف المسافرين في محطة واحدة، تتزايد الحاجة إلى وسائل النقل العمومي وسيارات الأجرة، ويرتفع الضغط على الطرق المؤدية إلى المحطة ومحيطها، خصوصاً خلال ساعات الذروة.
ومن هنا فإن إعادة فتح المحطة، إذا أثبتت الدراسات التقنية والاقتصادية جدواها، يمكن أن تكون جزءاً من حل أوسع لمشكلة التنقل داخل القنيطرة.
من المستفيد من محطة واحدة؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ماذا يحدث عندما يتم إغلاق محطة داخل مدينة تعرف توسعاً سكانياً وعمرانياً؟
الجواب لا يتعلق بالمسافرين فقط.
فالمواطن الذي يسكن بالقرب من «القنيطرة المدينة» ويضطر إلى التوجه إلى المحطة الرئيسية يحتاج إلى وسيلة نقل إضافية، ووقت إضافي، وتكلفة إضافية.
وهذا يعني أن إغلاق المحطة يمكن أن تكون له كلفة غير مباشرة على الأسر، خصوصاً بالنسبة للطلبة والموظفين والعمال الذين يعتمدون بشكل يومي على القطار.
وفي المقابل، فإن تشغيل محطة ثانية يمكن أن يخلق توزيعاً أكثر توازناً للتنقلات، ويقلل من الضغط على المحطة الرئيسية.
الاقتصاد المحلي.. محطة مغلقة تعني محيطاً أقل حيوية
هناك جانب آخر غالباً ما يغيب عن النقاش هو الرواج الاقتصادي فمحطات القطارات ليست مجرد فضاءات للسفر، وإنما تتحول عادة إلى مراكز للحركة التجارية والخدماتية،من مقاهي، مطاعم، محلات التجارية، سيارات الأجرة، الباعة والخدمات المختلفة كلها تستفيد من حركة المسافرين.
ولهذا فإن إعادة تشغيل «القنيطرة المدينة» قد لا تكون مجرد خطوة في مجال النقل، بل يمكن أن تكون أيضاً رافعة لإعادة تنشيط محيط المحطة اقتصادياً.
القنيطرة.. مدينة تتغير بسرعة
الأرقام الرسمية تؤكد أن القنيطرة ليست مدينة صغيرة، فجماعة القنيطرة وحدها تجاوزت نصف مليون نسمة سنة 2024، بينما بلغ عدد سكان إقليم القنيطرة حوالي 1.284 مليون نسمة.
كما أن جهة الرباط-سلا-القنيطرة بأكملها تضم أكثر من 5.13 ملايين نسمة، وهي من أكبر الجهات سكاناً بالمغرب.
كما تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن جهة الرباط-سلا-القنيطرة تعرف دينامية ديموغرافية وحركية سكانية مهمة، وهو ما يفرض التفكير في البنيات التحتية للنقل ليس بمنطق الحاضر فقط، وإنما بمنطق السنوات المقبلة.
هل تعود محطة «القنيطرة المدينة» إلى الخدمة؟
المطلوب اليوم ليس إصدار حكم مسبق حول جدوى المحطة، وإنما فتح نقاش مسؤول بين ONCF، والسلطات المحلية، والجماعة، والمنتخبين، وممثلي المجتمع المدني والمهنيين، من أجل دراسة مجموعة من المعطيات:
– حجم الطلب المحتمل على المحطة.
– عدد المسافرين المتوقع استفادتهم منها.
– إمكانية إدماجها في العرض السككي الحالي.
– كلفة إعادة التأهيل والتشغيل.
– أثرها على حركة السير والنقل الحضري.
– تأثيرها الاقتصادي على محيطها.
– ومدى مساهمتها في تخفيف الضغط عن المحطة الرئيسية.
والأهم أن القنيطرة لا تطالب بامتياز خاص، وإنما تطالب بأن تكون بنيتها التحتية للنقل متناسبة مع حجم سكانها وحاجياتها المستقبلية.
فهل تستجيب الجهات المعنية لهذا المطلب، وتفتح ورشاً لدراسة إعادة تشغيل محطة «القنيطرة المدينة»؟ أم ستظل أبوابها مغلقة، فيما تستمر المحطة الرئيسية في تحمل عبء مدينة تتوسع يوماً بعد يوم؟
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار
تعليقات الزوار ( 1 )
Quick access and easy navigation. I love how I can jump straight into my favorite slots without any hassle. jilifunlogin is the way to go.