أخبار وطنية

المغرب ..خسائر المكتب الوطني للكهرباء والماء تقترب من 9 مليارات درهم

في وقت يواجه فيه المغرب تحديات غير مسبوقة في مجال الماء والطاقة، يبدو أن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب قد تحول إلى ثقب أسود تستنزف ميزانية الدولة دون حسيب أو رقيب. فالتوقعات المالية لسنة 2026 تكشف عن خسارة صافية تبلغ 8,625 مليارات درهم، مقابل 6,963 مليارات سنة 2025، في مؤشر على مسار مالي غير قابل للاستمرار . لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من يتحمل مسؤولية هذا التدهور؟ ولماذا يبقى المدير العام طارق حمان في منصبه وكأن شيئاً لم يكن؟

المفارقة الأكثر إيلاماً هي أن هذه الخسائر تتزامن مع مخطط تجهيز طموح للفترة 2026-2030، بغلاف إجمالي يبلغ 219,1 مليار درهم، منها 177 ملياراً للكهرباء و42,1 ملياراً للماء . فالمؤسسة التي تعجز عن تحقيق التوازن المالي تُطلب منها استثمارات خيالية، بينما تُترك إدارة هذه الأموال الطائلة بيد فريق لم يُحاسب على تراكم العجز. والأدهى أن 72% من تمويل هذا المخطط يُنتظر أن يأتي من القطاع الخاص ، أي أن المكتب يتحول تدريجياً إلى وسيط مالي فاعل منتج، في عملية تفريغ تدريجي لدوره التاريخي.

لننظر إلى الأرقام بلا تجميل.. رقم معاملات المكتب تراجع إلى 41,466 مليار درهم سنة 2025 بنسبة 2,5%، بينما اتسعت خسارة الاستغلال من 4,246 مليارات إلى 5,252 مليارات درهم . والسبب المعلن هو ارتفاع فاتورة المحروقات، وعليه فإذا كانت تكاليف الإنتاج تتجاوز بكثير عائدات البيع، فمن المسؤول عن هذا الخلل الهيكلي؟ تقارير سابقة كشفت أن المكتب ينتج الكيلوواط بـ6 دراهم ويبيعه بدرهم واحد ، وهي معادلة عبثية لا يمكن أن تستمر دون تدخل حكومي متكرر. وقد ضخت الدولة 13 مليار درهم على مدى أربع سنوات لدعم المكتب ، دون أن يتحسن الوضع.

المدير العام طارق حمان، الذي عُيّن في يونيو 2024 ، كان يُفترض أن يكون رجل المرحلة لإنقاذ المؤسسة. فسيرته تشمل سنوات في المكتب نفسه بين 2009 و2017، ثم مناصب في “مازن” و”توتال إرين” . لكن بعد مرور أكثر من سنتين على تعيينه، لا تزال الخسائر تتفاقم، والديون تتجاوز 55,93 مليار درهم . بل إن بعض التقارير تحدثت عن “إنجاز” له يتمثل في “تطهير” مالي، لكن الأرقام الرسمية لمشروع قانون المالية 2027 تناقض ذلك تماماً، إذ تتوقع ارتفاع الخسارة إلى 8,625 مليارات . فهل نحن أمام إدارة تُكافأ على الفشل؟

الأخطر من الأرقام هو ما يجري بعيداً عن الأضواء. النقابات حذرت من “تفويت صامت” لقطاع الإنتاج إلى شركات خاصة، عبر وقف التوظيف والاعتماد على المناولة، بل وتفويت محطات بكامل مهامها . كما تتحدث عن “تكتم ممنهج” حول دراسة أعدتها شركة “ماكينزي” لتحويل المكتب إلى شركة مساهمة، دون إشراك الشغيلة أو الرأي العام . هذه ليست مجرد إعادة هيكلة إدارية، بل عملية إعادة توزيع ثروة استراتيجية بعيداً عن أي نقاش ديمقراطي.

وفي الوقت الذي يعاني فيه المكتب من هذه الاختلالات، يبقى المدير العام بعيداً عن أي مساءلة حقيقية. لا لجنة برلمانية استدعته لتفسير الخسائر، ولا تقرير للمجلس الأعلى للحسابات كُشف عنه مؤخراً، ولا حتى بيان رسمي يشرح كيف يمكن لمؤسسة بهذا الحجم أن تستمر في حصد العجز تلو العجز دون أن يهتز كرسي مسؤولها الأول. في المقابل، النقابات تُحذر من “تدهور غير مسبوق” في الحقوق المكتسبة للمستخدمين المنقولين إلى الشركات الجهوية، و”تراجع” عن الالتزامات المتفق عليها . فهل يُعقل أن يُطلب من المواطن أن يدفع فاتورة كهرباء وماء تتزايد، بينما يُترك المدير العام يغرق المؤسسة في الديون دون عقاب؟

من يتشبث بطارق حمان؟ هل هو دعم سياسي خفي يضمن له الحماية؟ أم أن آليات التعيين في المناصب العليا للمؤسسات العمومية لا تخضع أصلاً لمعايير النتائج، بل لموازنات أخرى لا علاقة لها بكفاءة التدبير؟ المؤكد أن استمرار هذا الوضع يضع علامة استفهام كبيرة على حكامة القطاع العمومي في المغرب. فالمؤسسة التي يُفترض أن تؤمّن الماء والكهرباء لملايين المغاربة تحولت إلى عبء مالي، ومديرها العام يواصل عمله وكأن الخسائر ليست مسؤوليته. حتى متى؟

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار