أقلام حرة

المغرب و«بيغاسوس» في مرآة الإعلام الفرنسي.. هل تُقاس ملفات التجسس بمعيارين؟

عاد ملف «بيغاسوس» إلى واجهة النقاش الإعلامي في فرنسا، بالتزامن مع صدور تقرير جديد لمنظمة العفو الدولية، اليوم 1 أكتوبر 2026، يتناول ما تصفه المنظمة بمنظومة مراقبة رقمية في المغرب، ويقدم معطيات جديدة بشأن الاستخدام المزعوم لبرنامج التجسس ضد صحفيين ونشطاء.

وفي المقابل، تطرح عودة هذا الملف سؤالاً مشروعاً حول ازدواجية المعايير في تناول قضية برامج التجسس، خصوصاً إذا ما قورنت التغطية المكثفة الموجهة نحو المغرب بما كشفته تحقيقات دولية سابقة حول فضيحة «Predator Files»، التي ارتبطت بشبكة شركات أوروبية كان من بينها فاعل فرنسي بارز.

ففي أكتوبر 2023، كشفت تحقيقات شبكة European Investigative Collaborations (EIC)، بدعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، تفاصيل واسعة حول برنامج «Predator» وشبكة الشركات التي قامت بتطويره وتسويقه، فيما أشارت المنظمة إلى أن تحالف Intellexa ضم شركات من مجموعة Nexa التي كانت تنشط أساساً من فرنسا.

الأكثر إثارة أن التحقيقات الصحفية المنشورة آنذاك تحدثت عن دور شركة فرنسية، Nexa Technologies، في الوساطة التجارية المتعلقة ببرنامج «Predator»، فيما كشفت تحقيقات أخرى تفاصيل عن عمليات مرتبطة ببيع تقنيات مراقبة إلى دول مختلفة. كما ذكرت «لوموند» أن بعض مسؤولي الشركة أو المسؤولين السابقين فيها كانوا قد وُضعوا رهن التحقيق في ملفات سابقة مرتبطة ببيع تقنيات مراقبة إلى ليبيا ومصر، مع إلغاء بعض إجراءات الوضع رهن التحقيق لاحقاً من طرف محكمة الاستئناف في باريس.

ولم تكن القضية مجرد جدل نظري حول صناعة برامج التجسس؛ إذ قالت منظمة العفو الدولية في 2023 إن تحقيقات «Predator Files» كشفت استهداف صحفيين وشخصيات سياسية ومسؤولين ومؤسسات، كما أشارت إلى أن منتجات التحالف بيعت إلى ما لا يقل عن 25 دولة.

وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن تطرحه وسائل الإعلام الفرنسية قبل غيرها: إذا كانت برامج التجسس تمثل تهديداً للخصوصية وحقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بالمغرب، فلماذا لا تحظى المنظومة الأوروبية نفسها، والشركات التي تنشط داخلها، بالقدر ذاته من التدقيق والمساءلة؟

فالانتقاد الصحفي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود جغرافية أو سياسية، كما أن الحديث عن حقوق الإنسان لا يفترض أن يتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد دولة بينما تُهمَّش الملفات المشابهة عندما تقع داخل الفضاء الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، فإن التقرير الجديد لمنظمة العفو الدولية يتضمن ادعاءات ومعطيات تقنية جديدة، ومن بينها الاستناد إلى وثائق داخلية لمجموعة NSO ظهرت في إطار دعوى قضائية في الولايات المتحدة، إضافة إلى شهادة مصدر سابق في جهاز أمني مغربي تقول المنظمة إنها قارنتها بمصادر وأدلة مستقلة. ولذلك فإن التعامل المهني مع التقرير يقتضي مناقشة أدلته ومناهجه وردود الأطراف المعنية، بدل الاكتفاء إما بتبنّيه كاملاً أو رفضه مسبقاً.

وبالموازاة، يبقى ملف «Predator» مثالاً واضحاً على أن تجارة تقنيات المراقبة ليست قضية مغربية أو شرق أوسطية فقط، بل قضية دولية تشمل شركات ومصالح وشبكات تجارية موجودة أيضاً داخل أوروبا. وقد أقرت منظمة العفو الدولية نفسها في تحقيقاتها السابقة بوجود إخفاقات كبيرة في تنظيم تجارة تقنيات المراقبة داخل الاتحاد الأوروبي.

وبين «بيغاسوس» و«Predator»، تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى صحافة لا تختار ضحاياها وملفاتها وفق الموقع الجغرافي أو الاصطفاف السياسي، بل تضع المعيار نفسه أمام الجميع: ما الدليل؟ من استخدم البرنامج؟ من باعه؟ من سمح بتصديره؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول التكنولوجيا إلى أداة للتجسس وانتهاك الخصوصية؟

فالاختبار الحقيقي للمصداقية الإعلامية ليس في كشف أخطاء الخصوم فقط، وإنما في القدرة على مساءلة الجميع بالمعيار نفسه.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار