حوادث

الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية: بين فشل الحد من حوادث السير بالمغرب

منذ تعيين بناصر بولعجول على رأس الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، ساد اعتقاد بأن المغرب مقبل على مرحلة جديدة في تدبير أحد أخطر الملفات المرتبطة بحياة المواطنين: السلامة الطرقية. كان الأمل أن تنتقل الدولة من منطق ردّ الفعل إلى منطق الوقاية، ومن إدارة الأرقام إلى إنقاذ الأرواح.

وفي الوقت الذي يرتفع فيه عدد الضحايا، وتتصاعد فيه والحوادث، والنتائج في تراجع. أما الوكالة التي أُنشئت لتكون رأس الحربة في هذا الورش الوطني، تحولت، في نظر كثيرين، إلى جهاز يُجيد عدّ المخالفات أكثر مما يُجيد منع الكوارث.

اليوم، لم يعد خافيًا أن المقاربة المعتمدة اختُزلت في منطق واحد: الزجر المالي. كاميرات، رادارات، غرامات، ومحاضر… كل ذلك حاضر بقوة، لكن السلامة غائبة. وكأن الرسالة الموجهة للمواطن بسيطة وقاسية في آن واحد: ادفع قبل أن تموت، لا تعلّم كيف تعيش على الطريق.

المشكلة أعمق من مخالفة سرعة أو تجاوز إشارة. حوادث السير في المغرب هي نتاج فشل بنيوي: تكوين مهني هش، بنية تحتية مهترئة في مناطق واسعة، نقل عمومي غير منظم، وغياب رؤية متكاملة تجعل الإنسان في قلب السياسة الطرقية، لا في هامشها. ومع ذلك، لم نسمع عن إصلاح جذري، ولا عن استراتيجية وطنية واضحة المعالم، بل عن أرقام تُعرض في ندوات، وكأن الإحصاء أصبح بديلاً عن الفعل.

الأخطر من ذلك أن الفشل لا يبدو مكلفًا في هذا القطاع. فالإدارة مستمرة، والخطاب يتجدد، والمناصب ثابتة. وكأن آلاف الأرواح التي فُقدت خلال السنوات الأخيرة لا تكفي لفتح نقاش حقيقي حول المسؤولية والمحاسبة. في دول تحترم مواطنيها، رقم واحد كفيل بإسقاط مسؤول. أما عندنا، فالأرقام المرتفعة تُواجه ببلاغ جديد.

لا أحد يُجادل في أن الزجر ضروري، لكن الزجر دون وقاية هو اعتراف بالعجز. ولا أحد يعارض القانون، لكن القانون بلا عدالة اجتماعية وبلا تأهيل وبلا طرق آمنة، يتحول إلى عبء إضافي على المواطن، لا إلى ضمانة لسلامته.

ما يحتاجه المغرب اليوم ليس مزيدًا من الكاميرات، بل قرارًا سياسيًا شجاعًا يعيد تعريف مفهوم السلامة الطرقية: من منطق الجباية إلى منطق الحياة، من إدارة المخالفات إلى تدبير المخاطر، ومن الاستمرار في المناصب إلى ربط المسؤولية بالنتائج.

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار