أقلام حرة

ثقافة الضحية: لماذا أصبح الفشل أكثر راحة من المحاولة؟

“أخطر أنواع الفشل… هو الذي يجعلك مقتنعاً أنك لم تفشل.”

“لم أعد أحاول… لأنني أعرف النتيجة.”

قالها بهدوء، بينما كان يقلب فنجان قهوته للمرة الثالثة.
في الواقع، لم يكن غاضباً، بل كان متعباً بطريقة يصعب شرحها.

قبل عامين، كان يرسل عشرات طلبات العمل كل أسبوع.
وفي البداية، كان يستيقظ باكراً، ثم يُعدّل سيرته الذاتية، وبعد ذلك يتعلم مهارات جديدة.
لكن مع مرور الوقت، بدأت الردود تتأخر، ثم تختفي تدريجياً.
كما أن المقابلات لم تكتمل، وفي النهاية، تبخرت الوعود.

في يوم ما، لم يتوقف فقط عن البحث، بل توقف أيضاً عن توقع شيء مختلف.

اليوم، عندما يُسأل، لا يرفع صوته، ولا يشتكي كثيراً.
بدلاً من ذلك، يكتفي بجملة قصيرة:
“كل شيء محسوم… لا جدوى.”

ومع ذلك، هذه ليست قصة استثنائية، بل على العكس، هي قصة تتكرر بصيغ مختلفة كل يوم.

من واقع صعب… إلى قناعة مريحة

من جهة، لا أحد يمكنه إنكار أن الواقع قاسٍ أحياناً:
فرص محدودة، منافسة غير متكافئة، وأبواب لا تُفتح للجميع.

لكن من جهة أخرى، ما يحدث في العمق أخطر بكثير من ذلك.
ففي الواقع، نحن لا نعيش الصعوبة فقط، بل نعيد تفسيرها بطريقة تُريحنا نفسياً.

وبالتالي، يحدث التحول الحقيقي هنا:
بدلاً من “الوضع معقّد”، نصبح نقول “لا فائدة من أي محاولة”.

وهكذا، بينما تترك الفكرة الأولى باباً مفتوحاً، فإن الثانية تُغلقه بالكامل من الداخل.

حين يشرح العلم ما لا نريد الاعتراف به

في علم النفس، يُعرف هذا النمط باسم
“العجز المتعلم” (Learned Helplessness).

وبشكل مبسط، عندما يتعرض الإنسان لفشل متكرر، فإنه يبدأ تدريجياً في الاعتقاد بأن جهده لن يغيّر شيئاً، وبالتالي يتوقف عن المحاولة حتى عندما تتغير الظروف.

في هذا السياق، لم تُظهر أعمال Martin Seligman فقط كيفية تكوّن هذا العجز، بل أيضاً كيف يمكن أن يتحول إلى طريقة رؤية للعالم.

وبمرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد حالة فردية، بل أصبح يشبه لغة مشتركة داخل المجتمع.

أرقام تُشير إلى ما وراء الإحساس

في هذا الإطار، تشير تقارير World Bank إلى أن نسبة من الشباب خارج العمل أو الدراسة لا تبحث عن فرص أصلاً.

وهنا، لا يعود السبب فقط إلى ندرة الفرص، بل أيضاً إلى ترسخ فكرة أن “المحاولة لن تغيّر شيئاً”.

وفي الوقت نفسه، تعمل بيئة رقمية تقودها خوارزميات Meta Platforms على تعزيز المحتوى العاطفي السلبي، مما يجعل الإحساس بالانسداد أكثر انتشاراً مما هو عليه فعلياً.

اقتصاد التعاطف: عندما يصبح الألم مُجزياً

في الواقع، على المنصات الرقمية، لم تعد المعاناة مجرد تجربة شخصية، بل أصبحت تُعرض وتُستهلك.

فمن جهة، منشور حزين يحصل على تفاعل أكبر،
ومن جهة أخرى، قصة فشل تجذب تعاطفاً أوسع،
وبالتالي، تصبح لغة الضحية أكثر حضوراً.

ومع مرور الوقت، يتشكل ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد التعاطف”، حيث كلما زاد إظهار الألم، زاد الاهتمام.

لكن المشكلة هنا أن هذا الاهتمام، رغم أنه يبدو إيجابياً، قد يدفع بشكل غير مباشر إلى التمسك بالألم نفسه.

كيف تتسلل الفكرة إلى حياتنا دون أن نلاحظ؟

في العمل، غالباً ما يُرجع البعض كل تعثر إلى “النظام”، وبالتالي يتوقف النقاش عند هذا الحد.

أما في العلاقات، فإن كل طرف يميل إلى تقديم نفسه كضحية، مما يجعل الفهم المتبادل أكثر صعوبة.

وفي التربية، تشير تقارير UNICEF إلى أن الحماية المفرطة من الفشل قد تُضعف قدرة الطفل على التكيف لاحقاً.

وبالتالي، نحاول حماية الأطفال من السقوط، لكننا في المقابل نضعف قدرتهم على النهوض.

الفكرة التي لا نحبها… لكنها ضرورية

في هذا السياق، ليس كل من يتحدث عن المسؤولية ينكر وجود الظلم، كما أن ليس كل من يشكو يتهرب من الواقع.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الظلم من مجرد واقع يُواجه إلى هوية دائمة تُعاش.

وبالتالي، يمكن أن يكون الإنسان ضحية لظروفه، لكنه في الوقت نفسه يبقى مسؤولاً عن كيفية تعامله معها.

ورغم أن هذه الفكرة غير مريحة، إلا أنها تمثل المفتاح الوحيد للخروج.

السؤال الذي يفضح كل شيء

بدلاً من السؤال التقليدي:
“لماذا يحدث هذا لي؟”

يصبح السؤال الأكثر أهمية:
“ما الذي أتجنبه فعلاً، وأختبئ خلف هذا التفسير؟”

وبالتالي، ينتقل الإنسان من موقع الشكوى إلى موقع الفعل.

اللحظة التي نخسر فيها دون أن نشعر

في النهاية، لا تنهار المجتمعات فقط بسبب الأزمات، بل أيضاً عندما يفقد الأفراد إيمانهم بقدرتهم على التغيير.

لذلك، أخطر ما في “ثقافة الضحية” ليس أنها تبرر الفشل، بل أنها تجعله يبدو مريحاً ومقبولاً.

وفي اللحظة التي يصبح فيها الفشل مريحاً، تصبح المحاولة عبئاً ثقيلاً.

وهكذا، لا نخسر فقط فرصة، بل نخسر أنفسنا تدريجياً.

تعليقات الزوار ( 1 )

  1. Interesting read! Seeing platforms like peryagame casino focus on RTP & quick payouts (12 mins!) is a huge step for Philippine players. Data-driven gaming is the future, and that 94% registration rate is impressive!

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار