رفع أسعار المحروقات يشعل الاحتجاجات ويعمق أزمة المعيشة في سوريا
تضع الاحتجاجات على ارتفاع أسعار المحروقات الملف المعيشي في صدارة التحديات التي تواجه الدولة السورية، مع انتقال تداعيات الطاقة من محطات الوقود إلى النقل والإنتاج والزراعة وأسعار السلع الأساسية.
ويرى الباحث السياسي عباس شريفة، خلال حديثه إلى “التاسعة” على “سكاي نيوز عربية”، أن مطالب المحتجين محقة، لكنه يعتبر أن الأزمة تتجاوز قرار رفع الأسعار، وترتبط باقتصاد أنهكته سنوات الحرب، وبمشاريع واستثمارات تأخرت تحت تأثير تطورات إقليمية ودولية
اقتصاد متهالك وإنتاج نفطي متراجع
يقول شريفة إن السوريين تطلعوا إلى حل مشكلاتهم الاقتصادية بعد نجاح الثورة وسقوط نظام الأسد، لكن الدولة الجديدة ورثت، بحسب توصيفه، “شبه دولة”، واقتصاداً متهالكاً ومؤسسات وبنية تحتية تعرضت لدمار واسع.
ويضع قطاع النفط في مقدمة القطاعات المتضررة، مشيراً إلى أن سوريا كانت تنتج ما بين 400 و500 ألف برميل يومياً، قبل أن يؤدي تدمير البنية التحتية النفطية إلى تراجع الإنتاج إلى نحو 100 ألف برميل يومياً.
وبحسب قراءته، دفع انخفاض الإنتاج البلاد إلى الاعتماد المستمر على الاستيراد، ما جعل أسعار الطاقة المحلية أكثر ارتباطاً بتقلبات السوق العالمية.
لكنه يؤكد أن هذا الواقع لا يقلل من حجم الصدمة التي أحدثتها الزيادة الأخيرة في الأسعار، خصوصاً لدى مواطنين كانوا ينتظرون تحسناً أسرع في ظروفهم المعيشية.
وعود اصطدمت بالأزمات الإقليمية
يرى شريفة أن بعض الأصوات الإعلامية رفعت سقف توقعات السوريين، بعدما أوحت بإمكان حل مشكلات البلاد خلال عام أو عامين من سقوط النظام، قبل أن تصطدم هذه الوعود بواقع اقتصادي وإقليمي أكثر تعقيداً.
ويشير إلى أن الحرب الإيرانية والأزمات الأمنية في مضيقي هرمز وباب المندب والاضطراب الذي أصاب سلاسل التوريد في الخليج دفعت دولاً كانت تعتزم الاستثمار في سوريا إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والتركيز على أمنها وشؤونها الداخلية.
وأدى ذلك، وفق شريفة، إلى تأخر مشاريع وعدم تحقق وعود استثمارية كان السوريون يعولون عليها لتحسين معيشتهم وإعادة تنشيط الاقتصاد.
الإنفاق الرسمي يفاقم الغضب
لا يحصر شريفة أسباب الاحتجاجات في ارتفاع أسعار الوقود، بل يشير إلى صورة متداولة عن نفقات غير مبررة لبعض المسؤولين، وإلى انتقادات شعبية للمواكب ومظاهر الإنفاق الرسمي.
ويطالب بأن يشمل التقنين المسؤولين أيضاً، معتبراً أن مظاهر الإنفاق تصبح أكثر استفزازاً للشارع عندما تتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
ويصف زيادة أسعار المحروقات، التي بلغت 40 بالمئة، بأنها صدمة للسوريين، ولا سيما أن المواطنين لم يعتادوا بعد على زيادات بهذه النسبة.
الزيادة تصل إلى الخبز والخضروات
تكمن خطورة ارتفاع أسعار الطاقة في امتداد تأثيره إلى معظم القطاعات الاقتصادية. فزيادة أسعار المحروقات ترفع تكلفة النقل والشحن والإنتاج، وتنعكس على الزراعة وأسعار الخضروات، وصولاً إلى الخبز والمواد الأساسية.
ويقول شريفة إن الدولة لم تعد ملزمة بحماية سعر محدد للطاقة بعد ربطه بالسعر العالمي، لكنه يشير إلى تعهدها بحماية سعر الخبز، عبر تقديم المازوت إلى الأفران بأسعار تفضيلية.
غير أن حماية الخبز لا تمنع، وفق تحليله، انتقال الزيادة تدريجياً إلى سلع أخرى تعتمد عمليات إنتاجها ونقلها على الوقود.
الأسواق أمام اختبار الرقابة
يرى شريفة أن الاختبار الحقيقي لا يتوقف عند قرار رفع الأسعار، بل يتعلق بقدرة الدولة على منع تحوله إلى موجة غلاء غير منضبطة.
ويحذر من فوضى في التسعير، إذ قد يستغل بعض التجار زيادة أسعار النفط لرفع أسعار السلع من دون الالتزام بالتسعيرة الرسمية.
وبذلك، تصبح أزمة المحروقات اختباراً لقدرة الدولة على ضبط الأسواق ومراقبة الأسعار وحماية المواد الأساسية، بالتوازي مع إدارة توقعات السوريين الذين ينتظرون نتائج اقتصادية ملموسة في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار