سبتة ومليلية.. هل تحمل زيارة فيليبي السادس رسائل سياسية وسيادية إلى الرباط؟
أثارت الزيارة المنسوبة إلى العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية المحتلتين يومي 13 و14 أكتوبر 2026 تساؤلات بشأن أبعادها السياسية والسيادية، في ظل استمرار الخلاف المغربي الإسباني حول وضع المدينتين، وما تمثلانه من حساسية في العلاقات بين البلدين.
وبالنسبة إلى بعض المتابعين، فإن أهمية هذه الزيارة المحتملة لا تقتصر على طابعها الملكي، بل تمتد إلى توقيتها ورمزيتها، خصوصاً في سياق يتداخل فيه التعاون الأمني بين الرباط ومدريد مع خلاف تاريخي لم يجد طريقه إلى تسوية نهائية.
فهل يمكن قراءة الزيارة باعتبارها تأكيداً إسبانياً على استمرار الوضع القائم، أم أنها تندرج ضمن الأنشطة الرسمية المعتادة للمؤسسة الملكية؟
أولاً: التوقيت بين البروتوكول والرسائل السياسية
يتزامن شهر أكتوبر في إسبانيا مع الاحتفال بالعيد الوطني في 12 أكتوبر، الذي يشهد عادة مراسم رسمية واستعراضات عسكرية في العاصمة مدريد.
وتشير الرواية المتداولة بشأن زيارة سبتة ومليلية إلى أن تحرك الملك جاء في اليومين التاليين لهذه المناسبة، وهو ما دفع بعض المعلقين إلى الربط بين الحدثين والبحث عن دلالات سياسية وراء هذا التوقيت.
ويرى أصحاب هذه القراءة أن زيارة المدينتين بعد الاحتفالات الوطنية قد تحمل رسالة تؤكد تمسك مدريد بموقفها بشأنهما، خصوصاً أن الملك فيليبي السادس يشغل دستورياً منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإسبانية.
غير أن هذا التزامن لا يثبت، بمفرده، وجود تخطيط عسكري أو أن الزيارة صُممت بهدف توجيه رسالة مباشرة إلى المغرب. ومع ذلك، فإن حساسية الملف تجعل التوقيت والرمزية عنصرين جديرين بالتحليل.
ثانياً: اجتماع شتنبر.. تساؤلات حول البعد الدفاعي
تتداول بعض الروايات معلومات عن اجتماع عقده الملك فيليبي السادس يوم 7 شتنبر 2026 مع وزيرة الدفاع وعدد من كبار المسؤولين العسكريين، في سياق تناول قضايا دفاعية وأمنية.
وإذا تأكدت تفاصيل الاجتماع وجدول أعماله، فقد يساعد ذلك على فهم الاهتمام الإسباني بالجوانب الدفاعية المرتبطة بالمدينتين. لكن تحديد طبيعة الرسائل التي ربما أرادت مدريد توجيهها يظل رهيناً بمضمون الاجتماع والتصريحات الرسمية المصاحبة له.
ومن المنظور المغربي، يكتسي أي نقاش دفاعي مرتبط بسبتة ومليلية أهمية خاصة، بالنظر إلى الخلاف التاريخي حول وضعهما. ولذلك، فإن متابعة هذه التحركات تظل ضرورية لفهم توجهات السياسة الإسبانية في المنطقة، دون افتراض وجود خطة عسكرية موجهة ضد المغرب من دون أدلة واضحة.
ثالثاً: الهجرة والتحركات الأمنية.. هل ثمة ارتباط بالزيارة؟
يشكل ملف الهجرة غير النظامية أحد أبرز مجالات التعاون بين المغرب وإسبانيا، إلى جانب مراقبة الحدود ومكافحة شبكات التهريب.
وقد تحدثت روايات متداولة عن تدابير لإخلاء مواقع لإيواء المهاجرين في سبتة، وعن تحركات أمنية مغربية في محيط الفنيدق خلال الفترة التي سبقت الزيارة المزعومة.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تستحق الدراسة في إطار تدبير الهجرة والأمن الحدودي. أما اعتبارها جزءاً من استعدادات ميدانية متكاملة لاستقبال الملك الإسباني، فيحتاج إلى معلومات إضافية تثبت وجود رابط مباشر بين تلك التدابير والزيارة.
وتبرز هنا إشكالية أوسع: هل يظل التعاون في ملف الهجرة قائماً على المصالح المشتركة، أم تتأثر قرارات الطرفين أيضاً بحسابات السيادة والخلافات السياسية؟
الأرجح أن العلاقة بين هذه الملفات أكثر تعقيداً من اختزالها في تفسير واحد؛ فالتعاون الأمني يمكن أن يستمر بالتوازي مع استمرار الخلاف حول المدينتين.
رابعاً: لماذا تثير سبتة ومليلية حساسية خاصة في المغرب؟
تعتبر إسبانيا سبتة ومليلية جزءاً من أراضيها، بينما يتمسك المغرب بموقفه بشأن مغربيتهما. ويجعل هذا الاختلاف أي زيارة رسمية إسبانية إلى المدينتين قابلة لقراءات سياسية متباينة.
فما قد تقدمه مدريد باعتباره نشاطاً رسمياً عادياً، قد يراه منتقدو سياستها في المغرب تأكيداً إضافياً على استمرار الوضع القائم، خصوصاً إذا جاء في سياق احتفالات وطنية ذات رمزية عسكرية.
ومن هنا، يمكن فهم وصف بعض الأصوات للزيارة بأنها خطوة استفزازية أو رسالة سيادية، من دون اعتبار هذا الوصف دليلاً قاطعاً على وجود نية للتصعيد العسكري.
كما أن الحديث عن غضب داخل المؤسسة العسكرية المغربية يظل بحاجة إلى تصريحات أو معطيات موثوقة تسمح بتحديد موقفها الفعلي.
خامساً: هل تتغير طبيعة العلاقة المغربية الإسبانية؟
تقوم العلاقات بين الرباط ومدريد على شبكة من المصالح المشتركة، تشمل الأمن والهجرة والتجارة والتنسيق الإقليمي، لكنها لا تخلو من ملفات خلافية تاريخية وسياسية.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن أي تأكيد إسباني جديد على موقفها من سبتة ومليلية قد يعيد طرح حدود الشراكة بين البلدين، خصوصاً إذا اعتُبر في المغرب تكريساً للأمر الواقع.
لكن لا يمكن استنتاج انتقال العلاقات إلى مرحلة مواجهة عسكرية من زيارة ملكية وحدها. فمثل هذا التقييم يحتاج إلى النظر في مجمل المواقف الرسمية والتحركات الدبلوماسية والتطورات الأمنية اللاحقة.
والأهم أن استمرار التعاون بين البلدين لا يعني اختفاء الخلافات، كما أن بقاء هذه الخلافات لا يعني بالضرورة انهيار الشراكة الثنائية.
الخلاصة: رسالة سيادية محتملة أم زيارة رسمية؟
تطرح الزيارة المنسوبة إلى فيليبي السادس سؤالاً سياسياً مهماً حول الطريقة التي توظف بها الرمزية الملكية في القضايا المرتبطة بالسيادة، وحول انعكاساتها المحتملة على العلاقات المغربية الإسبانية.
ومن وجهة نظر منتقدي الموقف الإسباني، قد تُقرأ الزيارة باعتبارها تأكيداً على تمسك مدريد بالوضع القائم في سبتة ومليلية، خصوصاً في ظل حساسية الخلاف التاريخي بين البلدين.
لكن القول إنها كانت عملية عسكرية أو رسالة تهديد مباشرة إلى المغرب يتجاوز ما يمكن استخلاصه من التوقيت والرمزية وحدهما.
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية القضية في تحديد ما إذا كان الملك قد زار المدينتين بصفته ملكاً أو قائداً أعلى للقوات المسلحة، بل في فهم الرسائل السياسية المحتملة للزيارة، وكيف يمكن أن تؤثر في ملف يظل من أبرز نقاط الخلاف بين الرباط ومدريد.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع الدائرة نيوز _ Dairanews لمعرفة جديد الاخبار